في جوهره، ولكنه جزء متمم له، أو شرط لازم لتحقيقه، فلا معنى للشجاعة بغير الخطر، ولا معنى للكرم بغير الحاجة، ولا معنى للصبر بغير الشدة، ولا معنى لفضيلة من الفضائل بغير نقيصة تقابلها وترجح عليها، وقد يطرد هذا القول في لذاتنا المحسوسة كما يطرد في فضائلنا النفسية، ومطالبنا العقلية: إذ نحن لا نعرف لذة الشبع بغير ألم الجوع، ولا نستمتع بالري ما لم نشعر قبله بلهفة الظمأ، ولا يطيب لنا منظر جميل ما لم يكن من طبيعتنا أن يسوءنا المنظر القبيح" (حقائق الإسلام ص: 8) ."
والمؤمن -نتيجة لهذا- راض عن الحياة والكون من حوله، لأنه يعتقد أن هذا الكون الفسيح صنع الله الذي أتقن كل شيء: (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه: 50) ، وكل ذرة في الأرض أو السماء تدل على حكمة حكيم، وتقدير عزيز عليم، وتدبير ملك عظيم، ورعاية رب كريم رحيم.
المؤمن -كما قال الإمام الغزالي- ("الأحياء"ربع المنجيات - كتاب التوكل ص: 222 ط الحلبي) يصدق تصديقًا يقينيًا لا ضعف فيه ولا ريب؟ أن الله عز وجل لو خلق الخلق كلهم على عقل أعقلهم، وعلم أعلمهم، وخلق لهم من العلم ما تحتمله نفوسهم، وأفاض عليهم من الحكمة ما لا منتهى لوصفها، ثم زاد مثل عدد جميعهم علمًا وحكمة وعقلًا، ثم كشف لهم عن عواقب الأمور. وأطلعهم على أسرار الملكوت، وعرفهم دقائق اللطف، وخفايا العقوبات، حتى اطلعوا به على الخير والشر، والنفع والضر، ثم أمرهم أن يدبروا الملك والملكوت، بما أعطوا من العلوم والحكم،