فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 349

ويزعم بعض الناس أو يظنون أن الإيمان بالآخرة، والإقبال عليها يعطل العمل للدنيا، والكفاح من أجل ترقيتها، فإن الدنيا والآخرة ككفتي الميزان لا ترجح إحداهما إلا بمقدار ما تحمل الأخرى، وكالمشرق والمغرب إذا اقتربت من أحدهما ابتعدت من الآخر، وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى!! وهكذا، فكل إقبال على الآخرة يقابله إعراض عن الدنيا.

وهذا الكلام صحيح إذا نظرنا إلى القلوب والأهداف والنيات .. فمن جعل الدنيا غايته ونيته وهمه ابتعد عن الآخرة بقدر ما تعلق قلبه بالدنيا والعكس بالعكس. أي أن المطلوب من المؤمن في الدنيا، أن يعمل ويجتهد ويكافح، ويبني ويعمر ويشيد، على أن تكون الآخرة نيته، وغايته، وأمله.

المؤمن يتخذ الدنيا مزرعة للآخرة والمزرعة تحتاج إلى عمل وسعي، ولكن الثمرة إنما تقطف كاملة في الآخرة، وإن أدرك بعضها في الدنيا: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) (الأعراف: 32) ذلكم هو المؤمن: يسخِّر الدنيا لنفسه، ولا يسخِّر نفسه للدنيا، المؤمن لا يتخذ الدنيا ربًا فتتخذه الدنيا عبدًا.

ولكنه بعد ذلك عضو عامل في جسم الأمة، ودم يجرى في عروقها، يمدها بالقوة والحركة والنماء، فهو إذا زرع أحسن، وإذا صنع أتقن، وإذا تاجر برع، وهو في كل جانب من جوانب الحياة حاذق مجيد.

قد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم زراعًا وتجارًا وصناعًا متقنين، ولم يقعد بهم إيمانهم بالآخرة عن العمل للدنيا، كيف وقد قال رسولهم (رواه أحمد والبخاري في «الأدب المفرد» عن أنس، وكذا البزار والطيالسي، ورجاله ثقات وأثبات، كما قال الهيثمي) :"إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها"ولماذا يغرسها والساعة ستقوم، ولا أمل في انتفاع أحد من الخلق بها؟ إنه تكريم العمل لذات العمل، ولو لم يكن من ورائه نفع وانتفاع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت