وقبل أن ندع الحديث عن الرضا والقناعة لا بد إن نقول كلمتين:
الأولى: أن القناعة بالقليل من الرزق ليست مصدر ضعف. كما يتوهم قصار النظر من الناس، كلا إنها مصدر قوة لأصحاب المبادئ، وحملة الرسالات المكافحين، الذين يتعرضون للاضطهاد والمصادرة والحرمان، فترى أحدهم يخوض المعركة ضد الباطل والظلم، صلب العود، متين البنيان، ثابت القدم، لأنه يعلم من نفسه أن القليل يكفيه مما جشب من الطعام، وما خشن من اللباس. وشظف من العيش.
إنه ينظر إلى قصور الأمراء، وخزائن الملوك، ورياش المترفين، كما ينظر راكب الطائرة المحلقة في أعالي الفضاء إلى القرى والمدن والناس، إنه يرى القصور الشاهقة كالعلب الصغيرة، ويرى البشر كالنمل في جحوره.
وقد قال حكيم شرقي لأحد تلاميذه: عش على أرز وماء، متخذًا من ذراعك المطوية وسادة تكن نشوة النفس نصيبك، وأما الثراء الذي ساءت وسائله، والأمجاد التي جاءتك عن طرائق السوء فكالسحائب العائرة، لا خصب فيها ولا نماء.
ومما حكي عن المسيح عليه السلام أنه كان يقول: لباسي الصوف، وطعامي الشعير، وسراجي القمر، ودابتي رجلاي، ووسادتي ذراعي... أبيت وليس لي شيء، وأصبح وليس لي شيء، وليس على وجه الأرض أغنى منى!!
وصاحب المبدأ والرسالة إذا تمكنت هذه القناعة من نفسه لم يعد يبالي أو يخاف، إنه يتغنى بما تغنى به الإمام الشافعي:
أنا إن عشت لست أعدم قوتا ... وإذا مت لست أعدم قبرا
همتي همة الملوك ونفسي ... نفس حر ترى المذلة كفرا
وإذا ما قنعت بالقوت عمري ... فلماذا أخاف زيدا وعمرا؟