ولقد غلبت هذه العقيدة وهذا الخلق على أعمال المسلمين الأولين، ووضحت آثارها في سلوكهم حتى مع الأعداء المحاربين، فنجد رسول الإسلام يغضب حين مر في إحدى غزواته، فوجد امرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه لتقاتل، وينهى عن قتل النساء والشيوخ والصبيان، ومن لا مشاركة له في القتال.
ويسير أصحابه على نفس النهج أبرارًا رحماء لا فجارًا قساة: فهذا أبو بكر يودع جيش أسامة بن زيد ويوصيهم قائلًا:"لا تقتلوا امرأةً ولا شيخًا ولا طفلًا، ولا تعقروا نخلًا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، وستجدون رجالًا فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما أفرغوا أنفسهم له". ويقول عمر:"اتقوا الله في الفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب".
ويُحمل إلى أبي بكر رأس مقتول من كبراء الأعداء المحاربين. فيستنكر هذا العمل، ويعلن سخطه عليه ويقول لمن جاءه بالرأس: لا يُحمل إلي رأس بعد اليوم. فقيل له: إنهم يفعلون بنا ذلك. فقال: فاستنان (أي اقتداء) بفارس والروم؟ إنما يكفي الكتاب والخبر.
وهكذا كانت الحرب الإسلامية حربًا رحيمة رفيقة، لا يُراق فيها الدم إلا ما تدعو الضرورة القاهرة إليه، وقد لاحظ ذلك الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون فقال: ما عرف التاريخ فاتحًا أعدل ولا أرحم من العرب!
كما برز أثر ذلك الخلق العظيم في العلاقات الاجتماعية الداخلية - فرأينا المجتمع المسلم تسوده عواطف كريمة، ومشاعر نبيلة، كلها تفيض بالرفق والمرحمة، وتتدفق بالبر والخير، وتجلت هذه المشاعر والعواطف فيما عُرف بنظام"الوقف الخيري"عند المسلمين.