ألا فلتعلم الحكومة الإنجليزية أن المسلم الذي أمره ربه أن يرحب بالموت الأحمر، ويتغلغل في لجج الدواهي والكوارث، ولا يقبل السكوت عن الحق، لا يخيفه قانون 124 من العقوبات الهندية (الذي كان يحاكم على أساسه) ولا يرده عن دينه وأداء فريضته"."
وظل أبو الكلام يهدر كالبحر، ويرسل حججه وكلماته شواظًا من نار، يمده بالقوة إيمانه بالله وبالحق. وبالقدر وبالخلود .. ثم التفت إلى القاضي وقال:
وأنت أيها القاضي، ماذا عسى أن أقول لك إلا ما قاله المؤمنون قبلي في مثل موقفي هذا: (فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) (طه: 72) .
ذلك هو شأن الإيمان إذا عمقت جذوره، وقوي سلطانه على النفس، إنه يمد صاحبه بيقين لا يهن، وهمة لا تنى، وأمل لا يخبو، ودافع لا يتوقف، وعزم لا يخور. هو يملك الدنيا ولكنها لا تملكه، ويجمع المال ولكنه لا يستعبده، وتحيط به النعمة ولكنها لا تبطره، وينزل به البلاء ولكنه لا يقهره، لا تزيده الشدائد إلا عزيمة مع عزيمته، وقوة إلى قوته، كالذهب الأصيل، لا تزيده النار إلا نقاء وصفاء.
من كان يصدق أن مجموعة قليلة العدد، ضئيلة العدة، من جزيرة العرب، لم يكن لهم فلسفة اليونان، ولا مدنية الرومان، ولا حكمة الهند، ولا صنعة الصين، تملك الدنيا بزمام، وترث ملك الأكاسرة، وتحطم إمبراطورية القياصرة، وتنشر دينًا جديدًا، وحضارة جديدة في الآفاق، وفي أقل من ربع قرن من الزمان؟
أليس سر هذا هو الإيمان؟ الإيمان الذي جعل من بلال الحبشي قوة يتحدى"سيده"أمية بن خلف ويحارب أبا جهل بن هشام .. الإيمان الذي جعل القلة تنتصر على الكثرة، والأميين يغلبون المتحضرين، ودفع العرب البداة، ويقينهم في قلوبهم، ومصاحفهم في يد، وسيوفهم في أخرى، ومساكنهم على ظهور خيولهم يقولون لملوك الفرس وأباطرة الروم: نحن قوم بعثنا الله لنخرجكم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده...