والمسلمون قالوا: نحن أتباع محمد خاتم النبيين وخير أمة أخرجت للناس. ولم يدع القرآن هؤلاء وهؤلاء، لدعاواهم وتنازعهم. فنزلت آياته حاكمة فاصلة، قاضية عادلة، تخاطب المسلمين في صراحة وجلاء: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءًا يجز به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا * ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرًا) (النساء: 123، 124) .
ولا يذهب الظن أو الوهم بأحد، فيحسب أن ارتباط السعادة والفوز بالعمل مقصور على الآخرة وحدها، فإن قوانين الله في الجزاء واحدة، ورب الدنيا والآخرة واحد، فالله تعالى يقول: (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا) (الكهف: 30) ، (فنعم أجر العاملين) (الزمر: 74) ، (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره) (الزلزلة: 7، 8) .
وسنة الله -التي أخبرنا القرآن أنها لا تتبدل ولا تتحول- لا تسمح لفارغ أو قاعد أو كسول أن يظفر بما يريد، أو يحقق ما يأمل، بل إن سنن الله في الدنيا لا تفرق في الجزاء على العمل بين مؤمن وكافر ... فمن عمل أُجر، ومن قعد حُرم، مهما كان دينه أو اعتقاده.
وبهذا يندفع المؤمن إلى العمل دائمًا، حتى لا يصادم سنن الله في الكون فتصدمه؛ فيكون من الهالكين.
المؤمن يخشى الله في عمله فيتقنه
والمؤمن لا يكتفي بالاندفاع الذاتي إلى العمل، بل يهمه أن يجوده، ويتقنه ويبذل جهده لإحسانه وإحكامه، لشعوره العميق، واعتقاده الجازم أن الله يرقبه في عمله، ويراه في مصنعه أو في مزرعته أو في أي حال من أحواله، وأنه تعالى"كتب الإحسان على كل شيء" (حديث صحيح رواه مسلم) وقد فسر نبي الإسلام هذا الإحسان في جانب العبادة، فقال:"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (جزء من حديث جبريل المشهور) .