لما اقتضى تدبير جميعهم من التعاون والتظاهر عليه، أن يزاد فيما دبر الله سبحانه، ولا أن يدفع مرض أو عيب أو نقص أو فقر أو ضر، عمن بلى به، ولا أن يزال صحة أو كمال أو غنى أو نفع، عمن أنعم الله به عليه، بل كل ما خلقه الله تعالى من السموات والأرض -إن رجعوا فيها البصر، وطولوا فيها النظر- ما رأوا فيها من تفاوت ولا فطور، وكل ما قسم الله تعالى بين عباده من رزق وأجل، وسرور وحزن، وعجز وقدرة، وإيمان وكفر، وطاعة ومعصية، فكله عدل محض لا جور فيه، وحق صرف لا ظلم فيه، بل هو على الترتيب الواجب الحق على ما ينبغي وكما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي، وليس في الإمكان أصلًا أحسن منه، ولا أتم، ولا أكمل، ولو كان ادخره -مع القدرة- ولم يتفضل به لكان بخلًا يناقض الجود، وظلمًا يناقض العدل، ولو لم يكن قادرًا لكان عجزًا يناقض الإلهية"أ. هـ."
فما عرفه المؤمن من حكمة الله في خلقه، وأسراره في كونه، فبها ونعمت. وما خفي عليه وكله إلى عالمه، وقال في تواضع أولي الألباب: (ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك) (آل عمران: 191) .
لهذا نرى المؤمن راضيًا عما قدر الله له. وما قضى الله فيه، ينشد دائمًا:
إذا ما رأيت الله في الكل فاعلًا ... رأيت جمع الكائنات ملاحا
إن مما يسخط الناس على أنفسهم وعلى حياتهم، ويحرمهم لذة الرضا، أنهم قليلو الإحساس بما يتمتعون به من نعم غامرة، ربما فقدت قيمتها بالفها، أو بسهولة الحصول عليها، وهم يقولون دائمًا: ينقصنا كذا وكذا، ونريد كذا وكذا، ولا يقولون: عندنا كذا وكذا.
ولكن المؤمن عميق الإحساس بما لله عليه من فضل عميم، وإحسان عظيم، ونعم تحيط به عن يمينه وعن شماله، ومن بين يديه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته. إنه يشعر بنعمة الله عليه منذ كان في المهد صبيًا، بل منذ كان