فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 349

(لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتتكفأ، فأرساها بالجبال فاستقرت فتعجب الملائكة من شدة الجبال فقالت: يا ربنا، هل خلقت خلقًا أشد من الجبال؟ قال: نعم … الحديد … قالوا: فهل خلقت خلقًا أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار … قالوا: فهل خلقت خلقًا أشد من النار؟ قال: نعم، الماء ... قالوا: فهل خلقت خلقًا أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح قالوا: فهل خلقت خلقًا أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم ... إذا تصدق صدقة بيمينه فأخفاها من شماله) .

الإنسان إذا أخلص لربه أشد قوة من الجبال المرساة في الأرض كالأوتاد، ومن الحديد القوي الذي يقطع الجبال، وتنحت به الصخور، ومن النار المتأججة التي تذيب الحديد، ومن الماء المتدفق الذي يطفئ النار، ومن الريح العاصف الذي يسوق المياه.

ومن مظاهر هذه القوة عند المؤمن وضوح خطته، واستقامة طريقته، وثباته عليها، لا يفريه وعد، ولا يثنيه وعيد، ولا ينحرف به طمع متسلط، أو هوى جائر، أو شهوة طاغية، فهو دائمًا داع إلى الخير، ثائر على الشر؛ آمر بالمعروف، ناهٍ عن المنكر، هاد إلى الحق والعدل، مقاوم للباطل والظلم، يغير المنكر بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.

ومن ثمار هذه القوة التحرر من الخوف والحرص.

فلقد رأينا الناس لا يضعف نفوسهم شيء كالحرص على الحياة وإن تكن ذليلة، والهرب من الموت وإن كان كريمًا، ولا يغرس فيهم القوة شيء كالاستهانة بالحياة، والإقبال على الموت في سبيل الحق الذي يعتقدونه ولا شيء كالإيمان بالله وبالخلود يهون على الإنسان لقاء الموت، وفراق الحياة.

والمرء إذا هانت عليه الدنيا، ولم يبال بالموت ... هان عليه جبابرة الأرض، وملوك الناس، ونظر إلى الذهب كما ينظر إلى الحجر، وإلى السيف كما ينظر إلى العصا أو هو أدنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت