فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 349

ونعني بالإنتاج هنا: الإنتاج الاقتصادي بخاصة، والإنتاج المادي والمعنوي بعامة، ذلك أن بعض الناس يخيل إليه أن الإيمان بالدين وعقائده قد يؤخر عجلة الإنتاج أو يعوقها في سيرها وحركتها، بما يميت في النفوس من حب الحياة والرغبة في العمل المادي، وبما يلقيه في قلوب الناس أن الإنسان مسير لا مخير، وأن الحياة الدنيا لا تستحق العمل والاهتمام، لكم يخسر المجتمع، وتتأخر الحياة، إذا شاع فيها هذا اللون من الإيمان.

وهذه أوهام أشاعها الجهل عن الدين والإيمان، والحقيقة أن الإيمان أعظم دافع للإنتاج لو تأمل الناس وأنصفوا، فالإنتاج لا ينمو ويزداد إلا بما يبذل الناس من جهد وعمل، وما يصحب هذا العمل من إحكام وإتقان. ولا يتحقق هذا وذاك إلا في جو من الأصالة والإخلاص للعمل، وذلك لا يكون إلا بباعث قوي، وحافز غلاب، فهل هناك باعث أقوى تأثيرًا من الإيمان؟

إن الإيمان الصادق ليس مجرد إدراك ذهني أو تصديق قلبي غير متبوع بأثر عملي في الحياة .. كلا، إنه اعتقاد وعمل وإخلاص.

ومهما اختلف علماء الكلام والجدل في العقائد حول مفهوم الإيمان وصلة العمل به: أهو جزء من مفهومه أو شرط له أم ثمرة من ثمراته، فإنهم متفقون على أن العمل جزء لا يتجزأ من الإيمان الكامل.

وقد روي في الأثر ما يصور لنا حقيقة الإيمان:"ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل" (رواه ابن النجار والديلمي في"مسند الفردوس"من حديث أنس ورمز له السيوطي في"الجامع"بعلامة الضعف) .

وقد ذكر القرآن الكريم الإيمان مقرونًا بالعمل في أكثر من سبعين آية من آياته، ولم يكتف بمجرد العمل ولكنه يطلب عمل"الصالحات"وهي كلمة جامعة من جوامع القرآن تشمل كل ما تصلح به الدنيا والدين، وما يصلح به الفرد والمجتمع، وما تصلح به الحياة الروحية والمادية معًا.

والمؤمن بالدين عامة وبعقيدة الإسلام خاصة، لا يساق إلى العمل الدنيوي سوق القطعان. لا يدفعه إليه قهر حكومي أو ضغط خارجي، أو رقابة من سلطة تنفيذية تشهر عليه سيف التهديد بالجوع والحرمان أو عذاب الهون. كما يعرف في الأنظمة الاشتراكية.

وإنما يندفع المؤمن إلى العمل بحافز من نفسه، وباعث من ذاته، بإيحاء ينبعث من داخله لا سوطًا يسوقه من الخارج. ذلك الباعث الذاتي هو الإيمان بالله وبرسالة السماء، وبمهمته في عمارة الأرض والسيادة على الكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت