أما ما يقال من أن الانخلاع من الدين يؤدى إلى صحة النفس والعقل، فهو أمر يكذبه الواقع، وينفيه ما نشاهده في دنيا الحضارة الغربية الآلية المادية، التي أخذت زخرفها وازَّينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، بما أوتوا من العلم التجريبي، والتقدم التكنيكي.
فهذا العالم الغربي «العلمي» الحديث، يعاني من أمراض النفس والعقل ما يشهد عليه ليله، ويكدر عليه نهاره.
وهذا أمر لاحظه وحذر منه الفلاسفة المفكرون، وشاهده وشهد به العلماء المجربون، وأحس به وعبر عنه الأدباء والفنانون، وانتبه إليه وسجله الكُتَّاب الصحفيون.
فمن الفلاسفة والمفكرين تقرأ شهادة الفيلسوف المؤرخ البريطاني المعاصر"توينبي"إذ يقول (نقل ذلك عنه المفكر المعاصر «كولن ولسون» في كتابه «سقوط الحضارة» ) :
لقد أغرت فنون الصناعة ضحاياها، وجعلتهم يسلمونها قياد أنفسهم ببيعها «المصابيح الجديدة» لهم مقابل «المصابيح القديمة» ، لقد أغرتهم فباعوها أرواحهم وأخذوا بدلًا منها «السينما» و «الراديو» ، وكانت نتيجة هذا الدمار الحضاري الذي سببته تلك «الصفقة الجديدة» إقفارًا روحيًا، وصفه أفلاطون بأنه «مجتمع الخنازير» ، ووصفه ألدوس هكسلي بأنه «عالم زاه جديد» !
ويأمل توينبي في نهاية البحث بأن خلاص الغرب لا يكون إلا بالانتقال من الاقتصاد إلى الدين، ولكنه لا يخبرنا كيف سيتم هذا الانتقال، وإنما يؤكد قائلًا:"إن الغربي يستطيع بواسطة الدين أن يتصرف تصرفًا روحيًا يضمن سلامته بالقوة المادية التي ألقتها بين يديه ميكانيكية الصناعة الغربية".
فكأن توينبي يجيب بذا على سؤال «ايفان ستراود» كيف تستطيع روحية الإنسان أن تسيطر على ازدهاره المادي؟
ويقول الفيلسوف الشاعر المسلم الدكتور محمد إقبال:
"الرجل العصري بما له من فلسفات نقدية، وتخصص علمي، يجد نفسه في ورطة، فمذهبه الطبيعي قد جعل له سلطانًا على قوى الطبيعة لم يسبق إليه، لكنه قد سلبه إيمانه في مصيره هو."