فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 349

سنحاول أن نلقي بعض الأشعة الكاشفة على كل من هذه الثلاثة:

أما القانون فهو أمر لا بد منه لتنظيم شؤون الجماعة وتحديد علاقاتها، ولكنه لا يصلح وحده ضابطًا لسلوك البشر، لأن سلطانه على الظاهر لا على الباطن، ودائرته في العلاقات العامة لا في الشئون الخاصة. ومهمته أن يعاقب المسيء دون أن يستطيع مكافأة المحسن، على أن التحايل على القوانين ميسور، وتطويع نصوصها للأهواء مستطاع، والهرب من عقوبتها ليس بالشيء العسير، وإذا كان القانون عاجزًا عن أن يكون زاجرًا عن الشر ورادعًا عن الجريمة والفساد، فإنه لأعجز وأعجز عن أن يكون دافعًا إلى خير أو باعثًا على حق أو حافزًا على عمل صالح.

ومهما افترضنا في القانون الإنساني من مطابقة العدل والحق، فإنه على كل حال ليس له قوة ذاتية وإنما قوته في"الحكومة"القائمة على رعايته وتنفيذه.

ويقول السيد جمال الدين الأفغاني في هذه الحكومة، وأنها لا تكفي في إلزام النفس حدود العدل (رسالة الرد على الدهريين، ص 72) :"ليس بخاف أن قوة الحكومة إنما تأتي على كف العدوان الظاهر، ورفع الظلم البين، أما الاختلاس والزور المموه والباطل المزين والفساد الملون بصبغ من الصلاح، ونحو ذلك مما يرتكبه أرباب الشهوات، فمن أين للحكومة أن تستطيع دفعه؟ وأنى يكون لها الاطلاع على خفيات الحيل، وكامنات الدسائس ومطويات الخيانة ومستورات الغدر حتى تقوم بدفع ضرره؟"

على أن الحاكم وأعوانه قد يكونون، بل كثيرًا ما كانوا ويكونون ممن تملكهم الشهوات، فأي وازع يأخذ على أيدي أصحاب السلطة، ويمنعهم من مطاوعة شهواتهم المتسلطة على عقولهم؟ وأي غوث ينقذ ضعفاء الرعايا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت