إذن فما سر هذا الشعور الخفي، والوجدان الكامن الذي يغمر فطرة الإنسان من قديم الزمن بأنه لم يخلق لمجرد هذه الحياة، ولتلك المدة القصيرة؟ ما سر هذا الشعور بأن الإنسان في هذه الدنيا غريب أو عابر سبيل وأنه ضيف يوشك أن يرتحل إلى دار إقامة؟
هذا الشعور الذي رأيناه عند قدماء المصريين فحنطوا -استجابة له- جثث الموتى، وبنوا الأهرام، والذي ظهرت آثاره في أمم شتى بأساليب مختلفة.
يقول الشيخ محمد عبده:"اتفقت كلمة البشر موحدين ووثنيين، نبيين وفلاسفة -إلا قليلا لا يقام لهم وزن- على أن لنفس الإنسان بقاء تحيا به بعد مفارقة البدن، وأنها لا تموت موت فناء -أي زوال مطلق- وإنما الموت المحتوم هو ضرب من البطون والخفاء، وإن اختلفت منازعهم في تصوير ذلك البقاء، وفيما تكون فيه، وتباينت مشاربهم في طرق الاستدلال عليه، فمن قائل بالتناسخ في أحياء البشر أو الحيوان على الدوام، ومن ذاهب إلى أن التناسخ ينتهي عندما تبلغ النفس أعلى مراتب الكمال، ومنهم من قال: أنها إذا فارقت الجسد عادت إلى تجردها عن المادة حافظة لما فيه لذتها أو ما به شقوتها. ومنهم من رأى أنها تتعلق بأجسام أثيرية ألطف من هذه الأجسام المرئية."
هذا الشعور العام بحياة بعد هذه الحياة والمنبعث في جميع الأنفس عالمها وجاهلها، وحشيها ومستأنسها، باديها وحاضرها، قديمها وحديثها، لا يمكن أن يعد ضلة عقلية، أو نزعة وهمية، وإنما هو من الإلهامات التي اختص بها هذا النوع. فكما ألهم الإنسان أن عقله وفكره هما عماد بقائه في هذه الحياة الدنيا -وإن شذ أناس منه أنكروا ذلك أو شكوا فيه- كذلك قد ألهمت العقول، وشعرت النفوس، أن هذا العمر القصير ليس هو منتهى ما للإنسان في الوجود، بل الإنسان ينزع هذا الجسد، كما ينزع الثوب