فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 349

عن البدن ثم يكون حيًا باقيًا في طور آخر، وإن لم يدرك كنهه.

ذلك الهام يكاد يزاحم البديهة في الجلاء، يشعر كل نفس أنها خلقت مستعدة لقبول معلومات غير متناسية من طريق غير محصورة، شيقة إلى لذات غير محدودة، ولا واقفة عند غاية، مهيأة لدرجات من الكمال لا تحدها أطراف المراتب والغايات"."

ثم كيف يسيغ العقل أن ينفض سوق هذه الحياة وقد نهب فيها من نهب وسرق فيها من سرق، وقتل فيها من قتل. وبغى فيها من بغى، وتجبر من تجبر، ولم يأخذ أحد من هؤلاء عقابه، بل تستر واختفى فأفلت ونجا .. أو تمكن من إخضاع الناس له بسيف القهر والجبروت؟

وفي الجانب الآخر: كم أحسن قوم، وضحوا وجاهدوا ولم ينالوا جزاء ما قدموا، إما لأنهم كانوا جنودًا مجهولين، أو لأن الحسد والحقد جعل الناس يتنكرون لهم بدل أن يعرفوا فضلهم، أو لأن الموت عاجلهم قبل أن ينعموا بثمرة ما عملوا من خير. وكم من قوم دعوا إلى الحق، واستمسكوا به، ودافعوا عنه، فوقف الظالمون في طريقهم، وأوذوا وعذبوا واضطهدوا وشردوا، وسقطوا صرعى في سبيله. وأعداؤهم الطغاة في أمن وعافية بل في ترف ونعيم.

ألا يسيغ العقل -الذي يؤمن بعدالة الإله الواحد- بل يطلب، أن توجد دار أخرى يجزى فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته؟ هذا ما تنطق به الحكمة السارية في كل ذرة في السموات والأرض: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون * إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين) (الدخان: 38 - 40) (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلًا، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار * أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) (سورة ص: 27، 28) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت