فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 349

وتفريق القلب، وكون الفقر نصب عينيه لا يفارقه، ولولا سكرة عشاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب .. على أن أكثرهم لا يزال يشكو ويصرخ منه. ومن أنواع العذاب: عذاب القلب والبدن بتحمل أنكاد الدنيا ومحاربة أهلها إياه، ومقاساة معاداتهم، كما قال بعض السلف:"من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب"ومحب الدنيا لا ينفك عن ثلاث: هم لازم، وتعب دائم، وحسرة لا تنقضي، وذلك أن محبها لا ينال منها شيئًا إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه كما في الحديث:"لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالث". وقد مَثَّل عيسى ابن مريم عليه السلام محب الدنيا بشارب الخمر، كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا.

حقيقة إن الأولاد زهرة الحياة، وزينة الدنيا، ولكن كم من أولاد جروا على آبائهم الويل وجزوهم بالعقوق والكفران بدل البر والإحسان، بل كم من آباء ذاقوا حتفهم على يد أولادهم طمعًا في ثرواتهم، أو لوقوفهم في سبيل شهواتهم.

لقد وجدنا من الآباء من يقول لولده آسفًا آسيًا:

غذوتك مولودًا وعلتك يافعًا ... تعل بما أسدى إليك وتنهل

إذا ليلة تابتك بالشجو لم أبت ... لبلواك إلا ساهرًا أتململ

فلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل

جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل

وكم رأينا في الحياة صور غريبة، وسمعنا أحاديث أغرب، عن عقوق الأبناء وتعاسة الآباء، وهذا ما جعل الآباء ما برحوا على مر العصور، يشدون شعرهم حنقًا من جحود أبنائهم، حتى أن الملك"لير"صرخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت