الحدود بين الفرد والمجتمع متداخلة متشابكة، وليس من المستطاع بسهولة أن يقال: هذا أمر يؤثر في الفرد، وهذا أمر يؤثر في المجتمع، فما المجتمع في واقع أمره إلا أفراد ربطت بينهم روابط مشتركة ... وكل جهد يبذل لتكوين الفرد الصالح، هو عمل أصيل لتكوين المجتمع الصالح.
ومثل المجتمع البشري كمثل البنيان المرصوص، ومثل الأفراد فيه كمثل اللبنات للبنيان، فإذا كانت اللبنات قوية متينة، وكانت المادة التي تربط بينهما قوية الربط وإحكام الالتحام والتماسك بينها. قام منها بناء قوي مكين. فالعمل الأول في البناء يجب أن يتجه إلى اللبنات وإعدادها.
وإذا نظرنا إلى ما تقدم -من أثر الإيمان في حياة الفرد- نجد أن الفرد الذي يتمتع بسكينة النفس، وأمن الروح، ويتذوق نعمة الرضا ويستروح نسمات الأمل، ويحيا في ظلال الحب الفسيح، ويحس بالقوة، ويشعر بالكرامة، إنما هو إنسان اجتماعي راق، ولبنة صالحة لأن يقوم عليها بناء اجتماعي سليم.
والمجتمع الذي تشيع بين أفراده السكينة والأمن، والرضا والأمل، والحب والشعور بالكرامة، مجتمع يشق طريقه إلى السعادة والرقي والاستقرار.
ألا وأن أخص ما يميز المجتمع الراقي، المجتمع الفاضل، المجتمع السعيد هو التماسك والترابط. المجتمع الفاضل هو الذي يتعارف أبناؤه فلا يتناكرون. ويتحابون فلا يتباغضون، ويتعاونون فلا يتخاذلون. ويتعاملون فيما بينهم بالعدل والرحمة، فلا يبغي بعضهم على بعض، ولا يقسو بعضهم على بعض، فلا ينسى الواجد المحروم، ولا يهمل القادر العاجز، ولا يأكل الكبير الصغير