نفسه فاستعصم، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين) (يوسف: 32) .
حين خير يوسف بين الأمرين كان لا بد أن يختار مصيبة الدنيا، فقال (رب السجن احب إليّ مما يدعونني إليه) (يوسف: 33) .
وكان مما علمه نبي الإسلام لأمته أن يقولوا:"اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا" (رواه الترمذي والحاكم) .
وإن كل مصيبة لا شك أن هناك أكبر منها، وقديمًا قال الناس:"بعض الشر أهون من بعض""وبلاء أخف من بلاء""ومن نظر لبلوى غيره هانت عليه بلواه".
والمؤمن ينظر بعين بصيرته فيحمد الله على أمرين: أولهما: دفع ما كان يمكن أن يحدث من بلاء أكبر، وثانيهما: بقاء ما كان يمكن أن يزول من نعمة غامرة وفضل جزيل. فهو ينظر إلى النعمة الموجودة قبل أن ينظر إلى النعمة المفقودة، وينظر إلى البلاء المتوقع بجانب نظره إلى البلاء الواقع.
وهذا بلا شك يحدث كثيرًا من الارتياح والرضا، فالبلاء المتوقع كثير وقد دفع عنه، والنعم الموجودة كثيرة وقد بقيت له.
وهذا عروة بن الزبير أحد فقهاء التابعين في الإسلام مثل صالح للمؤمن الصابر الراضي، المقدر لنعم الله، فقد رووا أن رجله وقعت فيها الأكلة فقرر الأطباء قطعها حتى لا تسري إلى ساقه كلها ثم إلى فخذه، وربما ترقت إلى الجسد فأكلته، فطابت نفسه بنشرها. فعرضوا عليه أن يشرب شيئًا يغيب عقله حتى لا يحس بالألم ويتمكنوا من قطعها فقال: ما ظننت أن أحدًا يؤمن بالله يشرب شيئًا يغيب عقله حتى لا يعرف ربه عز وجل، ولكن هلموا