وأما الفلسفة الأخلاقية فلا يمكنها توجيه الجماهير الغفيرة من الناس، إنها لا تستطيع إلا توجيه أفراد معدودين، وبتأثير محدود لا ينفذ إلى الأعماق كما ينفذ الدين.
ثم أي فلسفة أخلاقية تلك التي يتبعها الناس، وكل فيلسوف له مذهب، وكل مذهب له مقياس؟ أهي فلسفة المنفعة التي نادى بها «وليم جيمس» وغيره؟ أم فلسفة اللذة التي نادى بها «أريستيب» و «أبيقور» ؟ أم فلسفة القوة التي نادى بها «نيتشة» أم فلسفة الواجب التي دعا إليها «كانت» ؟
وما الجزاء الذي يناله المرء على استمساكه بفضائل أخلاقية معينة؟ أهو جزاء يقنع العقل ويرضي النفس، أم هو سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا؟
ما جزاء الجندي المجهول الذي يعمل لخدمة المجموع دون أن يراه أحد أو يشعر به أو يكافئه؟
ما هو جزاء المضحي في سبيل أمته وأسرته، يقاتل دفاعًا فيقتل ظلمًا فيموت؟ إن راحة الضمير هنا -التي يتغنى بها الأخلاقيون- ليس لها وجود.
ومن جانب آخر، ما جزاه من عاش طول عمره يظلم ويطغى، ويعب من الشهوات الحرام دون أن يشعر بتأنيب الضمير، لأن ضميره قد مات؟ إنه لا يحل هذه العقدة إلا الإيمان، إلا الدين ... الذي يقول (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره) (الزلزلة: 7، 8) (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم * ويدخلهم الجنة عرفها لهم) (محمد: 4 - 6) (يوم يتذكر الإنسان ما سعى * وبرزت الجحيم لمن يرى * فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى) (النازعات: 35 - 41)