فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 349

ثانيها: الحرية الشخصية: فإن للإيمان بالله ورسالاته قيودًا والتزامات تحد من انطلاق الإنسان، وتقيد من حريته، وتضعه في قفص حديدي محكم، وفقًا لنظرية"الحلال والحرام"التي لا يخلو منها دين. وبهذه الحرية يستمتع الإنسان بطيبات الحياة كلها دون حجر ولا تدخل من سلطة كهنوتية.

ثالثها: العمل للحياة الدنيا وترقيتها: فإن الدين بما فيه من زهد وإقبال على الآخرة، يدير ظهره للدنيا، ويحقر من شأنها، ويتهم العاملين لها بأنهم معرضون عن الله وعن الحياة الباقية. فالدنيا والآخرة عنده ضرتان إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى.

وهذا الزعم الذي نفقت سوقه في الغرب زمنا، ثم صدَّره إلينا عملاؤه -الهواة والمحترفون- من بعد، ليس له أساس من منطق سليم، ولا من علم صحيح، ولا من واقع مجرب. وسنتناول في الصفحات التالية نقض هذه الدعوى، وإبطال هذا الزعم، مستندين إلى المنطق والعلم والواقع، كفى بها أدلة لقوم يعقلون.

أولًا: إن للعلم اختصاصًا لا يتعداه، ومجالًا لا يتجاوزه، ذلك هو مجال الماديات والمحسوسات التي تدخلها الملاحظة والتجربة، وهي وحدها التي يمكن التحكم فيها، وإجراء التجارب عليها، واستخلاص النتائج منها، ففي هذه الحدود وما ماثلها يعمل العلم، أما ما عدا ذلك مما وراء الحس، وما وراء المادة، فليس من وظيفة العلم، ولا من اختصاصه، إنما هو وظيفة الفلسفة أو الوحي، فإذا وجد من رجال العلم من يقول: إنني لم أجد دليلًا علميًا على وجود الله أو صدق الرسل أو وجود الملائكة مثلًا، قلنا له: لقد عدوت قدرك، وخنت علمك، حيث ورطته فيما ليس من شأنه، وهل وجدت في مختبرك أن الله غير موجود!

إن العلم منهج صحيح لمعرفة المادة، ولكنه ليس منهجًا صحيحًا لمعرفة ما وراء المادة. إنه يستطيع أن يعرف كيف تسير الأشياء، ولكنه لا يعرف شيئًا عن مسيرها، ولا لماذا سيرها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت