لا يكون، وحرص لا ثمرة له إلا الهم والحزن.
وهؤلاء في حاجة أن يعلموا ويوقنوا أن السعادة ليست في وفرة أعراض الحياة، ولكنها في داخل النفس، وأولى ما يقال لهم (ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس) (قد أفلح من هدى للإسلام وكان رزقه كفافا وقنع به) (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) .
إن الغني هو الغني بنفسه ... ولو أنه عاري المناكب حاف
ما كل ما فوق البسيطة كافيًا ... وإذا قنعت فبعض شيء كاف
إذن ... من القناعة ألا تكون جشعًا شرهًا، ولا متطلعًا إلى ما ليس لك، ولا في طاقة مثلك، وبذلك تستروح نسمات الحياة الطيبة التي جعلها الله جزاء للمؤمنين العاملين في الدنيا (من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) (النحل: 97) وقد فسر علي بن أبى طالب الحياة الطيبة بالقناعة.
ولنقرأ هذه القصة من السيرة (ذكرها ابن القيم في"زاد المعاد"عند ذكر الوفود) نجدها ناطقة بما يصنعه الإيمان بقلوب المؤمنين، وكيف حول طموحهم من الدنيا ومتعها ومادتها إلى الله والدار الآخرة.
قدم وفد نجيب -وهم من السكون باليمن- ثلاثة عشر رجلًا مسلمًا، فسر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وأكرم منزلتهم، وأمر بلالًا إن يحسن ضيافتهم، وجعلوا يسألون النبي ويتعلمون منه، وأقاموا أيامًا ولم يطيلوا المكث. رغبة في رجوعهم إلى قومهم، ليعلموهم مما علوهم رسول الله، ثم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعونه: فأرسل إليهم بلالًا فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود، ثم قال: هل بقي منكم أحد؟ قالوا: نعم - غلام خلفناه على رحلنا هو أحدثنا سنًا … قال: أرسلوه إلينا … فلما رجعوا إلى رحالهم … قالوا للغلام: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض حاجتك منه، فإنا قد قضينا