فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 349

وبلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنًا له اشترى خاتمًا فصه بألف درهم، فبعث إليه يقول: أما بعد .. فقد بلغني أنك اشتريت خاتمًا فصه بألف درهم، فإذا بلغك كتابي هذا فبعه وأطعم بثمنه ألف جائع! واشتر خاتمًا فصه من حديد .. واكتب عليه: رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه..

ومن مظاهر هذه القوة شجاعته في مواطن البأس وثباته في موضع الشدة، لا تتزلزل له قدم، ولا يتزعزع له ركن، لا يخشى الناس، قلّوا أو كثروا، ولا يبالي بالأعداء وإن أرغوا وأزبدوا، انسدت أبواب الخوف كلها في نفسه، فلم يعد يخاف إلا من ذنبه، ومن سخط ربه.

إذا قيل له: إن أعداءك أكثر عددًا، تلا قول الله: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) (البقرة: 249) .

وإذا قيل: إنهم أكثر مالًا .. قرأ عليهم (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغلَبون) (الأنفال: 36) .

وإذا حذروه من مكرهم وكيدهم أجابهم بما قال الله (ومكروا ومكر الله، والله خير الماكرين) (آل عمران: 54) .

وإذا قيل إنهم أمنع حصونًا .. قرأ عليهم (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) (الحشر: 2) .

إنه يسير بمعونة الله، وينظر بنور الله، ويقاتل بسيف الله، ويرمي بقوة الله، (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) (الأنفال: 17) .

إن المؤمن لا يستعبده منطق المادة، ولا لغة الأرقام، ولذا يقدم من ألوان التضحيات وضروب البذل والفداء ما يعتبره بعض الناس تهورًا بل جنونًا.

روى ابن الأثير في تاريخه أن المسلمين في أثناء فتحهم لديار فارس حال نهر دجلة بينهم وبين «المدائن» وكانت السنة كثيرة المدود، ودجلة تقذف بالزبد، فجمع سعد بن أبي وقاص الناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال:"ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم"فقالوا جميعًا:"عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت