فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 349

وإذا كان الزمن قد تغير على المسلمين، فانكمشوا بعد امتداد، ووهنوا بعد قوة، فلأن الإيمان لم يعد المسيطر على أنفسهم، والموجه لأخلاقهم وسلوكهم. لقد بات إيمانهم إيمانًا «جغرافيًا» بحكم ولادتهم في أرض المسلمين، أو إيمانًا «وراثيًا» يأخذونه عن آبائهم كما يرثون الدور والعقارات، بات إيمانًا مخدرًا نائمًا لا تأثير له، ولا حيوية فيه، فكيف يورث القوة، ويهب للنفس العزيمة والمضاء؟

لقد كشف الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته عن الأسباب العميقة لضعفها حين تضعف، وهوانها حين تهون على أعدائها، فقال -وصدّق الزمن ما قال- عليه السلام:"يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا وما الوهن؟ -أي ما سببه وما سره فإن معنى الوهن معروف وهو الضعف- قال: حب الدنيا وكراهية الموت".

هذا هو مبعث الوهن الحقيقي، وسر الضعف الأصيل، أن يخلد المرء إلى دنياه الخاصة، فيعيش عبدًا لها مطواعًا لأوضاعها الرتيبة، أسيرًا لقيودها الثقيلة، تحركه الشهوات كالخاتم في الإصبع، وتسيره الرغائب المادية كالثور في الساقية، يتحرك في مدار محدود، فاقد الهدف معصوب العينين.

حب الدنيا هو الذي يجعل الملك في صولجانه عبدًا ضعيفًا، رخو العود، أمام امرأة يعشقها، أوشهوة يطمع في نيلها، أو نديم يخشى أن يفضحه، أو حاشية تعينه على سرقاته ونزواته…

وكراهية الموت هي التي تجعل الأفراد والجماعات يؤثرون حياة ذليلة على موت كريم، يؤثرون حياة يموتون فيها كل يوم موتات، على موت يحيون بعده حياة الخلود.

ومن لا يمت تحت السيوف مكرمًا ... يعش ويقاسي الذل غير مكرم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت