وقف ينفق منه على عدة مؤذنين، من كل رخيم الصوت حسن الأداء، فيرتلون القصائد الدينية طول الليل، بحيث يرتل كل منهم ساعة، حتى مطلع الفجر، سعيًا وراء التخفيف عن المريض الذي ليس له من يخفف عنه، وإيناس الغريب الذي ليس له من يؤنسه .
وقف فيه وظيفة من جملة وظائف المعالجة في المستشفيات، وهي تكليف اثنين من الممرضين أن يقفا قريبًا من المريض، بحيث يسمعهما ولا يراهما، فيقول أحدهما لصاحبه: ماذا قال الطبيب عن هذا المريض؟ فيرد عليه الآخر: إن الطبيب يقول: أنه لا بأس فهو مرجو البرء، ولا يوجد في علته ما يشغل البال وربما نهض من فراش مرضه بعد يومين أو ثلاثة أيام.
وهكذا سلك الواقفون كل مسالك الخير، فلم يدعوا جانبًا من جوانب الحياة دون أن يكون للخير نصيب فيه.
وبهذا إنما يصدرون عن إحساسات إنسانية عميقة، تنفذ إلى موطن الحاجة التي تعرض للناس في كل زمان ومكان.
ولا شك أن العقيدة هي صاحبة الفضل في خلق هذه الأحاسيس الرقيقة، وإيقاظ تلك المشاعر السامية التي تنبهت لتلك الدقائق، في كل زاوية من زوايا المجتمع وكل منحى من مناحي الحياة، ولم يكفهم أن يكون برّهم مقصورًا على حياتهم القصيرة، فأرادوا صدقة جارية، وحسنة دائمة، يكتب لهم أجرها ما بقيت الحياة وبقي الإنسان.
إن القلوب المؤمنة لا تخلو من رحمة، والكفر بالله والآخرة يتبعه قلب غليظ قاس، والقلوب القاسية هي التي ترتكب عادة أبشع الجرائم التي تقشعر لهولها الأبدان.
ولو قلبنا صفحات التاريخ لوجدنا الجرائم المروعة فيه إنما اقترفها أناس لا يرجون لله وقارًا، ولا يحسبون للآخرة حسابًا. فرعون الطاغية المتكبر الجبار الذي ذبح الأبناء، واستحيا النساء، لم يكن يؤمن بالرجوع إلى الله في الآخرة، فصنع ما صنع (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) (القصص: 39) .