والسر في كل هذا هو أن لا حرية في روسيا، وأن الحاكم يستطيع أن يحكم على كل من يخالفه، وأن يقضي عليه دون أن يقاضيه، ودون أن يسمح لأي صوت حر أن يعترض، ويقول له:"قف تعال نحتكم معًا إلى العدالة".
ويقول: إن فقدان الحرية ليس وحده سر هذه الجرائم البشعة والمجازر الرهيبة، فقد حكم شعوبًا كثيرة مستبدون كثيرون ولكنهم لم يصنعوا بأعدائهم ما صنع هؤلاء بأنصارهم، وذوي حزبيتهم، ولكنها قلوب أقفرت من الإيمان، فأقفرت من الرحمة ورعاية الإنسان لأخيه الإنسان.
أين هذه القسوة الرجيمة، والقلوب الصخرية من تلك القلوب الرقيقة اللينة التي تخشى الله وترجو الآخرة، وتؤمن أنها إن سلمت من حساب الدنيا فلن تسلم من حساب يوم القيامة. وإن أفلتت من يد الانتقام هنا، فلن تفلت من يد العدل هناك؟ وأنها لا تكتفي أن تقف في مرتبة العدل، والقصاص بالمثل، ولكنها تتطلع إلى درجة الفضل والعفو. (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) (النحل: 126) ، (وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين) ؟! (الشورى: 40) .
وإذا كان لنا أن نضرب أمثلة من تاريخ العقيدة الزاهرة، وعملها في الأنفس والقلوب فإنا نكتفي في هذا المقام بمثلين اثنين من خلفاء المسلمين.
ما صنعه أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وقد حاصر داره الثائرون، الذين عملت فيهم الدعاية اليهودية السبئية عملها، ودفعتهم إلى الثورة المسلحة على الخليفة الشيخ، ولكن الخليفة أبى أن يقابل القوة بالقوة، والسلاح بالسلاح، وإن أدى ذلك إلى إراقة دمه. ذكروا أن عبد الله بن عمر لبس درعه وتقلَّد سيفه «يوم الدار» -وهو الاسم الذي أطلق على يوم محاصرة عثمان في داره لقتله- فعزم عثمان عليه أن يخرج، ويضع سلاحه، ويكف يده، ففعل.