3.ومعناه الإيمان بمثل عليا إنسانية واقعية، وقدوات بشرية ممتازة، استطاعت أن تجعل من مكارم الأخلاق، وصوالح الأعمال، وفضائل النفوس حقائق واقعة، وشخوصًا مرئية للناس، لا مجرد أفكار في بعض الرؤوس، أو أماني في بعض النفوس، أو نظريات في الكتب والقراطيس. وجمهور الناس ليسوا فلاسفة يؤمنون بالمجردات، وإنما يؤمنون ويتأثرون وينفعلون بما يشاهدون وما يحسون، ولهذا جعل الله الرسل إلى الناس بشرًا مثلهم، لا ملائكة من غير جنسهم، لأن الإنسان لا يأنس إلا لمثله، ولا يقتدي إلا بمثله، ولا تقوم عليه الحجة إلا به. وقد استبعد المشركون أن يكون الرسول بشرًا، وقالوا: منذ عهد نوح: (لو شاء الله لأنزل ملائكة) (المؤمنون: 24) وقالوا في عهد محمد: (أبعث الله بشرًا رسولًا) (الإسراء: 94) فرد الله عليهم بقوله: (قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكًا رسولًا) (الإسراء: 95) .
فالأنبياء ليسوا في نظر القرآن آلهة، ولا أنصاف آلهة، ولا أبناء آلهة، إنهم بشر مثلنا، من الله عليهم بنعمة الوحي، ليبلغوا رسالة الله للناس: (قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده، وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (إبراهيم: 11) .
أهذا ملخص قصة الحياة والإنسان؟ أرحام تدفع وأرض تبلع ولا شيء بعد هذا؟ أو كما عبر القرآن عن قوم: (إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين) (المؤمنون: 37) .