إن هذا الشك والاضطراب والقلق الذي يتقلب على جمره الحائرون المرتابون في وجود الله وحكمته، وعدله ورحمته، وجزائه في الآخرة ووحيه إلى رسله -هذا الشك ليس شيئًا هينًا، إنه عذاب أليم، وكوة من الجحيم فتحت على أهله، تلفحهم بنارها، وتشوي قلوبهم بحميمها، وكلما خف لهيبها هبت عليهم عواصف الشك من جديد، فاشتعلت النار، ليذوقوا العذاب.
إن هذا القلق أمر لا مناص لهم منه، إنه سيحرمهم سكون النفس، وهدوء الضمير. سيقض عليهم مضاجعهم، وينغص عليهم حياتهم، ويؤرق عليهم ليلهم، ويكدر عليهم نهارهم، إنهم يعيشون كما قال الله (معيشة ضنكًا) (طه: 124) .
غير المؤمن يعيش في الدنيا تتوزعه هموم كثيرة، وتتنازعه غايات شتى، هذه تميل به إلى اليمين، وتلك تجذبه إلى الشمال، فهو في صراع دائم داخل نفسه، وهو في حيرة بين غرائزه الكثيرة، أيها يرضي. غريزة البقاء، أم غريزة النوع، أم المقاتلة، أم ... أم ... الخ.
وهو حائر مرة أخرى بين إرضاء غرائزه وبين إرضاء المجتمع الذي يحيا فيه، وهو حائر مرة ثالثة في إرضاء المجتمع، أي الأصناف يرضيهم، ويسارع في هواهم، فإن رضا الناس غاية لا تدرك.
إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضبانًا علي لئامها
والعكس بالعكس طبعًا، إذا رضي اللئام غضب الكرام.
وهنا يذكرون الحكاية المشهورة، حكاية الشيخ وولده وحماره: ركب الشيخ ومشى الولد وراءه، فتعرض الشيخ للوم النساء، وركب الولد ومشى