فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 349

ذهب لا يتقاتلان عليها. ولكن يتدافعانها، يقول كل منهما لصاحبه: هي لك .. على حين نرى الإنسان دائمًا يقول: هذا لي!

هكذا يقف الإيمان القوي أمام طغيان الغرائز الإنسانية فيكفكف من غلوائها، ويحد من شرها، ويقوِّم من انحرافها، ويوجهها وجهة الخير والسداد والصلاح، ولكن الإنسان لا يخضع لسلطان الغريزة وحدها. وإنما يؤثر فيه -وراء الغرائز- شيء آخر، له سلطانه القاهر، وكلمته النافذة، ذلك الشيء هو العادة.

والعادة تتكون من ميل الإنسان إلى شيء ما، ثم استجابته لهذا الميل، وفعله لهذا الشيء، ثم تكراره لهذا الفعل مرة بعد مرة، ويوما بعد يوم: حتى ترتبط بأعصابه، وتخط فيها مجرى يختلف في سعته وعمقه تبعًا لقوة العادة وضعفها، ويؤدي هذا الفعل بعد ذلك بيسر وسهولة، أداء يكاد يكون آليًا، ليس فيه إلا قليل من الانتباه والتفكير، ويصبح الامتناع عن هذا الأمر -بعد أن صار عادة- من الصعوبة بمكان.

ولقد قال بعض الباحثين:"إن الإنسان يكاد يكون مجموع عادات تمشي على الأرض"وقال روسو:"يولد الإنسان ويموت مسترقًا مستعبدًا، يشد عليه القماط يوم يولد، والكفن يوم يموت"يريد أنه -فيما بين المهد واللحد- أسير للعادات، مستعبد للتقاليد.

وقال القدماء:"العادة طبيعة ثانية"يعنون بذلك أن لها من القوة ما يقرب من"الطبيعة الأولى"والطبيعة الأولى هي ما ولد عليه الإنسان وفطر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت