ولقد يقول بعض الناس: إن كل عقيدة دينية تفرض على المؤمنين بها ألوانًا من العبادات وضروبًا من القربات والمراسم، تأخذ من أوقات الناس شيئًا يضيق ويتسع باختلاف الأديان وصنوف عبادتها. وخذ مثلًا الصلاة الإسلامية التي تؤدى كل يوم خمس مرات: أليس في ذلك تعطيل للعمل، وتعويق للعامل. في عصر الآلة والسرعة والمنافسة الجبارة؟
والحق أن العبادات في الأديان عامة لا تأخذ من وقت الناس إلا القليل، ما لم يشرع الناس لأنفسهم من الدين ما لم يأذن به الله، فيشقوا على أنفسهم ويرهقوها عسرًا.
على أن القليل الذي ينفق في العبادة، ليس وقتًا ضائعًا على الحياة والإنتاج. كلا. إنه شحن للطاقة وشحذ للهمة، وتوليد للقوة، وصقل لمعدن النفس لتعود إلى معركة الحياة أقوى وأمضى.
وإنه لمن الظلم للواقع أن يقاس الشيء بأثره المادي المباشر المنظور، ويغفل عن أثره الفعال الخفي الهادئ، في النفس وفي المادة أيضًا.
ما أصدق ما قال الدكتور الكسيس كاريل مؤلف كتاب"الإنسان ذلك المجهول"وأحد الحائزين على جائزة"نوبل":
"لعل الصلاة هي أعظم طاقة مولدة للنشاط عرفت إلى يومنا هذا، وقد رأيت -بوصفي طبيبًا- كثيرًا من المرضى فشلت العقاقير في علاجهم، فلما رفع الطب يديه عجزًا وتسليمًا تدخلت الصلاة فأبرأتهم من عللهم".
"إن الصلاة كمعدن «الراديوم» مصدر للإشعاع. ومولد ذاتي للنشاط، وبالصلاة يسعى الناس إلى استزادة نشاطهم المحدود، حين يخاطبون القوة التي لا يفنى نشاطها".
"إننا نربط أنفسنا -حين نصلي- بالقوة العظمى التي تهيمن على الكون ونسألها ضارعين أن تمنحنا قبسًا منها، نستعين به على معاناة الحياة. بل إن الضراعة وحدها كفيلة بأن تزيد قوتنا ونشاطنا ولن تجد أحدًا ضرع إلى الله مرة إلا عادت عليه هذه الضراعة بأحسن النتائج".