وإذا كان هذا أثر الصلاة بعامة فإن الصلاة الإسلامية بخاصة أبعد أغوارًا وأعمق آثارًا، إنها ليست تعبدًا محضًا، ولا ضراعة خالية من معاني الحياة، إنها -مع الضراعة والتعبد- نظافة، وثقافة، ورياضة، وتربية خلقية وهي -بما سنه الإسلام من نظام الجماعة- مدرسة لتعليم المبادئ الاجتماعية المثلى، ومعهد للتربية العلمية على المحبة والإخاء، والمساواة بين الناس.
وليت شعري هل يخسر الإنتاج أم يربح من رجل يستيقظ قبل أن تبرز الشمس من خدرها، فيقوم فيتوضأ ويتطهر. ويصلى لربه، ويستقبل نهاره مبكرًا طيب النفس، نشيط البدن، منشرح الصدر، قوى اليقين؟
وبحق ما قاله أحد الباحثين في أثر صلاة الجماعة الإسلامية في حياة المسلم:
"وإنه -وأيم الحق- لنعمة كبرى أن يكون في مكنة الإنسان التمتع خمس مرات يوميًا بجو من السلام التام وسط عالم يسوده الصراع والنضال، وبجو من المساواة على حين يكون التباين هو النظام السائد، وبجو من المحبة في معمعة الأحقاد الوضيعة، والتنابذات والخصومات المفعمة بها الحياة اليومية، إنها حقًا لأجزل النعم لأنها العبرة الجلى من الحياة، فليس للإنسان بد من أن يعمل وسط التباين والنضال والصراع، ووسط مشاهد البغضاء والتشاحن، ومع ذلك ينتزع نفسه من كل هذا خمس مرات ليكتنه حقيقة المساواة والإخاء والمحبة من حيث أنها هي المصادر الحقة للسعادة الإنسانية."
ومن أجل ذلك كان الوقت الذي تستغرقه الصلاة غير مضيع عبثًا من ناحية الخيرية الفاعلية، والنفع العملي للبشرية، إذ أنه على العكس من ذلك قد استغل أحسن استغلال، بتعلم تلك الدروس الجليلة التي تجعل الحياة حقًا جديرة بالعيش فيها.
وتلك الدروس في الإخاء والمساواة والمحبة تصبح بممارستها عمليًا في الحياة اليومية دعامات لتوحيد الجنس البشري، وتخليد الحضارة الأبدية لبني الإنسان"."