وذكر الغزالي في الإحياء عن ابن عمر قال: أهدى إلي رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: فلان أحوج إليه مني، فبعث به إليه. فبعث به هو أيضًا إلى آخر يراه أحوج منه، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجع إلى الأول، بعد أن تداوله سبعة!
ولا يحسبن القارئ أن هذه كانت حوادث فردية، لا تصور حقيقة المجتمع كله، فإن أمثال هذه المواقف كثيرة جدًا، هي تصور بحق روح المجتمع واتجاهه وفلسفته ونظرته إلى المال والحياة.
روى البخاري في الأدب المفرد عن ابن عمر قال:"لقد أتى علينا زمان -أو قال حين- وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم".
وحسبنا أن القران الكريم سجل للأنصار في المدينة -وهم جمهور المجتمع الإسلامي بها- هذه الصورة الراقية من صور الإخاء والمواساة والإيثار فقال: (والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (الحشر: 9)
لقد تبين لنا -فيما سبق- أثر الدين والإيمان في تكوين الأخلاق الفاضلة وتربية الضمائر اليقظة. وضربنا لذلك أمثلة من نماذج بشرية صنعها الإيمان. فإذا هي فضائل متجسدة، تمشي على الأرض.
والأمر لا يحتاج إلى أمثلة، فأثر الدين في هداية الإنسان وصنع الحضارة أثر لا ينكر، وبحق ما قاله أحد المؤرخين: لا ريب أن الدين كان أعظم قوة في التاريخ هذبت توحش الإنسان.
وذهب بنيامين كيد Kad إلى أن جميع الحضارات قامت على أساس