البحر الأبيض المتوسط، ورمت بها وادي الرون في فرنسا، وكانت العاصفة حارة شديدة الحرارة، حتى أحسست كأن شعر رأس ينتزع من منابته، لفرط وطأة الحر، وأحسست من فرط القيظ كأنني مدفوع إلى الجنون، ولكن العرب لم يشكوا إطلاقا، فقد هزوا أكتافهم، وقالوا كلمتهم المأثورة: (قضاء مكتوب) . ولكنهم ما إن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير، فذبحوا صغار الخراف قبل إن يودي القيظ بحياتها، ثم ساقوا الماشية إلى الجنوب نحو الماء، فعلوا هذا كله في صمت وهدوء دون إن تبدو من أحدهم شكوى ... قال رئيس القبيلة:"لم نفقد الشيء الكثير، فقد كنا خلقاء بأن نفقد كلشيء، ولكن حمدًا لله وشكرًا، فإن لدينا نحو أربعين في المائة من ماشيتنا، وفي استطاعتنا إن نبدأ بها عملنا من جديد".
والمؤمن راض بما قسم الله له من رزق، وما قدر له من مواهب، وما وهب له من حظ، لأنه مؤمن بعدل الله فيما قسم من أرزاق، وبحكمته فيما وزع من مواهب، وبفضله ورحمته فيما وهب لعباده من حظوظ، وهذا هو معنى"القناعة"الذي حث عليه الدين، وأشاد به الحكماء والصالحون.
ولقد ظلم الناس -فيما ظلموا- كلمة"القناعة"فحسبوها الرضا بالدون، والحياة الهون، وضعف الهمة عن طلب معالي الأمور، وإماتة رغبة الطموح إلى الرقي المادي والمعنوي، وتمجيد الجوع والفقر والحرمان.
وهذا كله، -كما بينت في كتابي"مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام"- خطأ واضح، وضلال بعيد. فالحق أن القناعة لا تعني شيئًا من أوهام الكثيرين عنها. وإنما تعني أول ما تعني أمرين:
أولهما: أن الإنسان بطبيعته شديد الطمع والحرص على الدنيا لا يكاد يشبع منها أو يرتوي، وقد صور ذلك الحديث النبوي"لو كان لابن آدم"