وكذلك فعلت سسيل بطلة قصة «مرحبا أيها الحزن» . ولم تتردد «دومنيك» طالبة الحقوق وبطلة قصة «ابتسامة ما» .
سسيل ودومنيك صورتان لأبناء هذا الجيل الذي يتحرك ويتألم ويروح ويجيء، ويحارب ويصرخ في الظلام، بلا حدود ولا قيود يؤمن بها، ولا أمل في أن يكون لديه أمل". وكفى بهذه الوثائق مستندًا."
أما الحرية الشخصية التي يدعى أنصار الفكر المادي الملحد أنهم ربحوها من وراء «التحرر» من الدين، والإيمان بعقائده الغيبية، وأخلاقه القسرية، فالذي نريد أن نقوله: إن الحرية إذا كان معناها اللعب من الشهوات بلا حساب، والانطلاق وراء المتع الحسية بلا حياء، والتحلل من عري الفضائل والأذواق والقيم العليا التي هي أغلى ما ورثته الإنسانية من تاريخها الطويل، فهذه الحرية ليست حينئذ كسبًا يسعى إليه، ولا غنمًا يحرص عليه، بل هي خسارة جسيمة على البشرية، وهزيمة منكرة للمعاني الإنسانية التي بها صار الإنسان إنسانًا.
إن القيود التي يفرضها الدين على الإنسان، لا يريد بها عذابه ولا حرمانه، إنما يريد بها أن يرتفع به من الحيوانية الهابطة إلى الإنسانية الصاعدة، وبذلك ينتصر الجزء السماوي في الإنسان على الجزء الأرضي، ينتصر الروح الشفاف على الجسد الكثيف، ينتصر العقل والإرادة على الشهوة البهيمية أو السبعية.
إن هذا الانتصار على النفس -فضلا عما له من قيمة ذاتية وخلقية- ليمنح النفس لذة أعمق وأبقى من لذة الانطلاق وراء المتع الجسدية التي لا يدوم التلذذ بها أكثر من لحظات قصار، ثم ينطفئ أوارها فإذا هي رماد.
على أن للقيود التي يفرضها الدين على المرء معنى آخر لا تصلح الحياة الاجتماعية إلا به، ذلك أن الحياة لا تخلو من قيود توجبها ضرورة التشابك والزحام، وليس في الإمكان أن يعيش إنسان حرًا طليقًا من كل قيد، إلا إذا تصورنا -جدلًا- أنه يعيش وحده في إقليم فسيح كبطل قصة «حي ابن يقظان» .