ولقد يغرق بعض الناس في الخيال، فيتصورون المؤمن درويشًا في «تكيته» أو راهبًا في «ديره» متبتلًا للعبادة منقطعًا عن الحياة، وهذه كارثة على العمل والإنتاج.
ولكن هذه الصورة -إن عرفتها بعض الأديان في بيئات معينة- لا تعرفها عقيدة الإسلام، فالإسلام لا يعرف المؤمن إلا كادحًا عاملًا مؤديًا دوره في الحياة، آخذًا منها معطيًا لها، مستجيبًا لما أراده الله من بني آدم حين جعلهم خلفاء الأرض: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) (هود: 61) .
عقيدة الإسلام لا تعرف يومًا من أيام الأسبوع يخلص للعبادة، وينقطع الناس فيه عن أعمال الحياة -كما تعرف اليهودية مثلًا- ولكن الأيام جميعها في الإسلام أيام عمل، والعمل الدنيوي في الإسلام يمكن أن يكون عبادة بصدق النية.
هذا يوم الجمعة عيد الإسلام الأسبوعي، يقول الله تعالى فيه: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون) (الجمعة: 9، 10) .
فهذه حياة المسلم في يوم الجمعة، عمل وبيع وتجارة قبل الصلاة، ثم سعي إلى ذكر الله والصلاة، ثم انتشار في الأرض وابتغاء من فضل الله بعد انقضاء الصلاة.
وقد حدثوا أن عمر بن الخطاب رأى قومًا قابعين في ركن من المسجد بعد صلاة الجمعة فسألهم: من أنتم؟ فقالوا: نحن المتوكلون على الله. فعلاهم عمر بدرته ونهرهم وقال: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة. وإن الله يقول: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) .