فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 349

المؤمن راض عن نفسه، أعني عن وجوده ومكانه ذي الكون، لأنه يعلم أنه ليس ذرة ضائعة، ولا كما مهملًا، ولا شيئًا تافهًا، بل هو قبس من نور الله، ونفخة من روح الله، وخليفة في أرض الله.

وهو راض عن ربه، لأنه آمن بكماله وجماله، وأيقن بعدله ورحمته، واطمأن إلى علمه وحكمته، أحاط سبحانه بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، ووسع كل شيء رحمة، لم يخلق شيئًا لهوًا، ولم يترك شيئًا سدى، له الملك، وله الحمد، نعمه عليه لا تعد، وفضله عليه لا يحد، فما به من نعمة فمن الله، وما أصابه من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه، يردد دائمًا هذا الثناء الذي ردده من قبل أبونا إبراهيم خليل الرحمن: (الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) (الشعراء: 78 - 82) .

المؤمن موقن تمام اليقين أن تدبير الله له أفضل من تدبيره لنفسه، ورحمته تعالى به أعظم من رحمة أبويه به، ينظر في الأنفس والآفاق فيرى آثار بره تعالى ورحمته، فيناجي ربه: (بيدك الخير، أنك على كل شيء قدير) (آل عمران: 26) فالخير بيديه، والشر ليس إليه، وما يظنه الناس شرًا في الوجود، ليس هو شرًا في الحقيقة. وإذا كان لا بد من تسميته شرًا، فإنما هو شر جزئي خاص مغمور في جانب الخير الكلي العام، وهذا الشر الجزئي، أو الشر الموهوم اقتضاه التكافل بين أجزاء الوجود هذا التكافل الذي يقول فيه الأستاذ العقاد:

"إن المعتقدين به -أي بهذا التكافل- يرون أن الشر لا يناقض الخير"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت