فكل أمر مقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبل وقوعه، والرضا بعد وقوعه، والسعيد من جمع بينهما، وذلك هو المؤمن، والشقي من حرمهما. المؤمن يسأل الله قبل إقدامه على أمر من الأمور أن يهديه إلى أرشد الأعمال وأهدى السبل، ومن الأدعية التي علمها لنا الرسول:"اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فيسره لي، وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به" (رواه البخاري وغيره) .
والمؤمن وحده هو الذي يغمره الإحساس بالرضا بعد كل قدر من أقدار الله.
المؤمن هو الذي يحس تلك الحالة النفسية التي تجعله مستريح الفؤاد، منشرح الصدر، غير متبرم ولا ضجر، ولا ساخط على نفسه، وعلى الكون والحياة والأحياء. ومنشأ ذلك رضاه عن وجوده الخاص في نفسه، وعن الوجود العام من حوله، ومبعث هذا وذاك رضاه عن مصدر الوجود كله، وينبوع هذا الرضا هو الإيمان بالله رب العالمين.
الرضا نعمة روحية جزيلة، هيهات أن يصل إليها جاحد بالله، أو شاك فيه، أو مرتاب في جزاء الآخرة، إنما يصل إليها من قوي إيمانه بالله وحسن اتصاله به. وقد خاطب الله رسوله عليه السلام بقوله: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) (طه: 130) وامتن عليه بقوله: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) (الضحى: 5) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا" (رواه أحمد ومسلم والترمذي) .
وأثنى الله تعالى على المؤمنين بقوله: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) (البينة: 8)