البائع، أو ينتقل إلى الدكان المجاور، فيتقدم التاجر المجاور دائمًا -للتاجر المزاحم- ويسأل الزبون عن حاجته ويبيعه ما يطلب من البضاعة -لا بضاعته هو بل بضاعة جاره الغائب- ويترك له الثمن على مقعده. أين في أوروبا يستطيع المرء أن يشاهد مثل هذه الصفقة؟" (الطريق إلى مكة ص 167باختصار) ."
ويتجلى أثر هذا الضمير الذي صنعه الإيمان بالله واليوم الآخر في مجال المواساة والإيثار بالمال والنفس. فكان الرجل يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ويبذل له من ذات يده، ومن جهده ووقته ما يبذله لأعز بنيه عليه، وأحب أهليه إليه. وقد يرتقي الإيمان بأحدهم، فيؤثر أخاه على نفسه. فيجود له بالشيء، وهو أحوج ما يكون إليه، كل ذلك ولا قانون يلزمه، ولا حكومة تطالبه، ولا أجهزة تراقبه، ولا عقوبة تسلط عليه، وإنما هو دافع الإيمان بين جنبيه، يحفزه على عمل الخير، والتطوع بالبر، ابتغاء ما عند الله وما عنده خير وأبقى.
روى مالك في موطئه أنه بلغه عن عائشة رضي الله عنها أن مسكينًا سألها وهي صائمة، وليس في بيتها إلا رغيف، فأمرت جارية لها أن تعطيه الرغيف فقالت الجارية: ليس لك ما تفطرين عليه! فقالت:"أعطية إياه"ففعلت، وربما يظن بعض الناس أنها إنما آثرت بالرغيف لهوانه عليها، فليسمعوا هذه القصة التي رواها المؤرخون والمحدثون:
بعث معاوية بن أبي سفيان بثمانين ألف درهم إلى عائشة، وكانت صائمة، وعليها ثوب خلق، فوزعت هذا المال من ساعتها على الفقراء والمساكين ولم تبق منه شيئًا. فقالت لها خادمتها: يا أم المؤمنين ما استطعت أن تشتري لنا لحمًا بدرهم تفطرين عليه؟ فقالت: يا بنية لو ذكرتيني لفعلت (رواه الحاكم في المستدرك) !.
إن الصائمة التي آثرت المسكين بالرغيف وليس في بيتها ما تفطر عليه