إن التجار عادة يغلب عليهم حب الكسب إلى حد الجشع حينًا، والخيانة والظلم أحيانًا. فاذا غلب الإيمان هان المال في سبيل المثل الأعلى ومكارم الأخلاق.
وليست هذه النماذج خاصة بالقرون الأولى وعهد السلف الصالح من المسلمين. فلا زال للإيمان أثره إلى اليوم في كل بلد من ديار الإسلام، وإن اختلف الكم والدرجة عما كانا عليه من قبل.
يذكر الأستاذ أبو الحسن الندوي بعض ذلك في مقال له (نشرت في مجلة"البعث الإسلامي") يقول:"حدثني بعض الثقات المعمرين الذين أدركوا عهد الأشراف في الحجاز، أن تجار مكة كانوا في ذلك العهد على جانب عظيم من المواساة لزملائهم، والنظر في مصالحهم والإخلاص والإيثار لهم، قال: كان بعض التجار إذا أتاه زبون في آخر النهار وقد باع ما يكفيه لقوت يومه وما حدده من الربح والوارد، ولم يكن زميله الجار سعيد الحظ في ذلك اليوم، قال له في لطف وهدوء:"دونك هذا الدكان الذي هو بجواري! تجد عنده ما تجده عندي، وقد لاحظت قلة الزبائن عنده هذا اليوم، فهو أحق بأن تشتري منه"."
ويتحدث الأستاذ محمد أسد (هو"ليوبولدفايس"الذي أسلم بعد أن أقام في بلاد المسلمين مدة طويلة، ودرس الإسلام بلغته وألف كتبًا منها"الإسلام على مفترق الطرق"و"الطريق إلى مكة") النمساوي عن مدينة إسلامية عربية كبيرة هي"دمشق"فيذكر انطباعاته كما يلي:"وقفت على ذلك الاستقرار الروحي في حياة سكانها، إن أمنهم الباطني كان يمكن أن يرى في الطريقة التي كان أصحاب الدكاكين يعامل بها بعضهم بعضًا، أولئك التجار في الحوانيت الصغيرة، أولئك الذين لا ينون ينادون على المارة، أولئك كانوا يبدون وكأنما ليس فيهم أيما قدر من الخوف والحسد، حتى أن صاحب دكان منهم ليترك دكانه في عهدة جاره ومزاحمه، كلما دعته حاجة إلى التغيب بعض الوقت، وما أكثر ما رأيت زبونًا يقف أمام دكان غاب صاحبه عنه يتساءل فيما بينه وبين نفسه، ما إذا كان ينتظر عودة"