عليه. فكل إنسان خرج من هذا العالم كآلة مجهزة بكثير من العدد: عين تبصر، وأذن تسمع، ومعدة تهضم، وغرائز فطرية .. وهكذا. فهذا الذي ولدنا عليه وورثناه من آبائنا وأجدادنا هو: طبيعتنا الأولى، ولها سلطان كبير على الإنسان، فلو حاول أن يبصر بأذنه ويسمع بعينه ما استطاع، فهو لا بد خاضع لسلطانها.
وما يدخله الإنسان على الطبيعة الأولى من التحسين والتقبيح هو ما يسمى"الطبيعة الثانية"أو"العادة"ولها كذلك سلطان كبير. فالطريق الذي نختطه لأنفسنا في الحياة، ونعتاد السير فيه، له من السلطان علينا ما يقرب من سلطان الطبيعة، فنحن أحرار في السنين الأولى من حياتنا، لا سلطان للعادة علينا، حتى إذا نمونا كان نحو التسعين في المائة من أعمالنا -من لبس وخلع وطريقة أكل وشرب ونمط في الكلام والسلام والمشي والمعاملة- معتادًا، نعمله بقليل من الفكر والانتباه ويصعب علينا العدول عنه، وتصبح حياتنا مجرد تكرير لأفكار وأعمال كسبناها في مقتبل الحياة"."
ذلك هو مبلغ سلطان العادة على الإنسان -فردًا كان أو جماعة- فإذا كانت عاداته صالحة فما أسعده بها، وإن كانت عاداته قبيحة ضارة فما أتعسه وما أشقاه بها! إنه يأكل الشيء الذي يضر جسمه، ويشرب الشيء الذي يغيب عقله، ويلبس الشيء الذي يضايقه ويخنقه، ويرتكب الشيء الذي يستقبحه ويستهجنه. وما ذلك إلا لسلطان العادة عليه، وغلبتها على عقله وإرادته: وحسبنا دليلًا على هذا ما نراه بأعيننا في المدمنين لشرب المسكرات، وتناول الكيوف والمخدرات، ولعب الميسر والقمار.
وللتخلص من عادة متمكنة لا بد من إعلان حرب عليها: حرب ساخنة ملتهبة، لا ينتصر فيها إلا من تسلح بإرادة قوية، وعزم فولاذي لا يتزعزع