فهب الناس إلى العبور، وأذن لهم في الاقتحام وقال: قولوا نستعين بالله، ونتوكل عليه. حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرن الله وليه، ليظهرن دينه، وليهزمن عدوه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وتلاحق الناس في دجلة، وهم يتحدثون كما يتحدثون في البر، وطبقوا دجلة حتى ما يرى من الشاطئ شيء.
ولقد كان الكافرون والمنافقون ينظرون إلى هذه الروح العالية التي يبديها المسلمون، فينازلون العدد الكثير وهم قليل، ويتحدون السلاح والاستعداد، والقوى غير متكافئة، بل غير متقاربة، فيظنون هذا غرورًا، وما هو بالغرور، وإنما هي قوة الإيمان بالله والتوكل عليه (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غَرَّ هؤلاء دينهم، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) (الأنفال: 49) .
ومن مظاهر هذه القوة .. إخلاصه القول والعمل والنية لوجه ربه، فتراه يعمل الخير، ويحارب الشر، وإن لم يكن له فيه نفع مادي، ولا هوى شخصي، لا يهمه الشهرة ولا المحمدة ولا رضا الناس، بل يؤثر الخفاء على الشهرة، وعمل السر على عمل العلانية، تجنبًا للرياء، وبعدًا بالنفس عن مزالق الشرك الخفي، متمنيًا أن يكون ممن يحبهم الله، من الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، محاولًا أن يكون كالجذع من الشجرة، يمدها بالغذاء وهو في باطن الأرض لا تراه العيون، وكالأساس من البنيان، يختفي في الأعماق وهو الذي يمسك البناء أن يزول.
وفي بعض الآثار تصوير لطيف للقوة الروحية للإنسان حين يتجرد للحق، ويخلص له، تصوير يجعله أثقل في ميزان الحق من الأرض والجبال، والحديد النار والماء ... يقول الأثر: