وخاطب الرسول في شأنه بقوله: (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم) (النجم: 29، 30) .
بل يجب أن يكون المؤمن ممن أراد الآخرة وسعى لها سعيها، واتخذ الدنيا وسيلة لا غاية، وممرًا لا مقرًا.
إن الذي لا يوقن بالآخرة يقينًا جازمًا، يصعب فطامه عن شهواته، وصرفه عن مجونه ولذاته، لأنه لا يرضى أن يبيع لذة حاضرة يقينية، من أجل لذة آجلة مشكوك في وقوعها عنده.
فلا نعجب إذا سمعنا مثل عمر الخيام يقول ما ترجمته بالعربية:
قالوا: امتنع عن شرب بنت الكروم ... فإنها تورث نار الجحيم!
ولذتي في شربها ساعة ... تعدل في عيني جنان النعيم!
ويقول:
أين النديم السمح؟ أين الصبوح؟ ... فقد أمض الهم قلبي الجريح!
ثلاثة هن أحب المنى ... كأس وأنغام ووجه صبيح!
وإنما قال هذا الرجل ما قال، لغلبة شكه على يقينه، ولو أيقن بالآخرة حقًا، لهانت الكأس والأنغام والوجه الصبيح وهانت الدنيا كلها، في جنب ثواب الله تعالى ورضوانه.
إن الإيمان قوة قاهرة غلابة، أقوى من الغرائز والشهوات، وأقوى من سلطان العادات، وأقوى من كل المؤثرات.
لا ريب أن للغرائز في دفع الإنسان سلطانًا لا ينكر، ولكن المثل العليا التي يعيش لها المؤمن تعلو به على الغرائز وسلطانها (أصبح علماء النفس اليوم لا يستحسنون كلمة «الغرائز» ويستعملون بدلها «الدوافع النفسية» ولكنا آثرنا كلمة الغرائز لشيوعها وظهور معناها لدى جمهور الناس ولا مشاحة في الاصطلاح) .