واديان من ذهب، لابتغى ثالثًا، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب" (رواه البخاري) ."
وكان لا بد للدين إن يهديه إلى الاعتدال في السعي للغنى، والإجمال في طلب الرزق، وبذلك يضمن التوازن في نفسه وفي حياته، ويمنحه السكينة التي هي سر السعادة، ويجنبه الإفراط والغلو الذي يرهق النفس والبدن معًا، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم"يا أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم" (رواه ابن ماجه) .
ولو ترك الإنسان يستسلم لنزعات حرصه وطمعه، لأصبح خطرًا على نفسه وجماعته، فكان لا بد من توجيه طموحه إلى قيم أرفع، ومعان أخلد، ورزق أبقى، وذلك هو وظيفة الدين معه: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى) (طه: 131) (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا، والله عنده حسن المآب * قل أؤنبئكم بخير من ذلكم، للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله) (آل عمران: 14، 15) .
وظيفة الإيمان هنا إن يحد من سورة الحرص والطمع، وطغيان الشراهة والجشع على النفس البشرية فلا تستبد بها وتجعلها تحيا في قلق دائم، لا تكتفي بقليل، ولا تشبع من كثير، لا يطفئ غلة ظمئها ما عندها فتمتد عينها إلى ما عند غيرها، ولا يشبعها الحلال فيسيل لعابها إلى الحرام، مثل هذه النفس لا ترضى ولا تستريح، إنها كجهنم -أعاذنا الله منها- تلتهم الملايين في جوفها ثم يقال لها: (هل امتلأت؟!) (سورة ق: 30)