إن العلماء -كما قال صاحب فيض الخاطر- قد اتجهوا بمنهجهم العلمي اتجاهًا صحيحًا نحو «عجلة» العالم يفحصونها ويجربونها ويمتحنونها، ولكنهم لم يتجهوا نحو «محرك» العجلة، وليس في مقدور علمهم وحده -وهو مبني على الحس والتربة- أن يضع أيديهم على محرك العجلة، لأنه لا يرى ولا يدرك بالحس، ولا يدخل المعمل، ولا يجرى في أنابيب الاختبار.
لقد تقدم العلم وتقدم، واعتز بنفسه وملأه الغرور، ومع هذا كله لم يستطع أن يفسر إلا السطح وإلا المظاهر، ما العلة الأولى للخلق؟ من الذي بعث الحياة في الخلية الأولى للعالم؟ كيف تفسر ملايين الحقائق في عجائب الطبيعة؟ وفي عجائب أنفسنا؟
إن أقصى ما يصبو إليه العلم أن يعرف نصف الحقائق، وهو الظاهر والإجابة عن «كيف» . أما النصف الآخر، وهو أقوم النصفين، وهو باطن الحقائق والإجابة عن «ما هي» لا كيف هي، فعاجز كل العجز عنه لا يستطيع أن ينبس فيه بحرف.
إن من يؤمن بالعلم وحده، وينكر ما وراءه، ومن يؤمن بالقوانين العلمية، وينكر ما عداها، لا يؤبه بقوله حتى يقول: إني أستطيع أن أفسر العالم من ألفه إلى يائه، فإما أن يفسر الآلة، ولا يفسر محركها، ويفسر تطور الحياة وتدرجها، ولا يفسر كيف وجدت لأول عهدها بالوجود فضرب من السخف، أو هو -على أحسن تفسير- كقول الطفل: لا أعلم، لأنه يريد أن يتعلم.
إن إنكار العلة الأولى للعالم، وعقل العالم الذي يدبره. يلقي على عاتقنا عبئًا لا نستطيع حمله.