"إن العالم في حقيقة أمره يزيد عجائبنا ولا يحلها، هذا الفلكي بعلمه ودقته وحسابه ورصده وآلته، ماذا صنع؟ أبان بأن ملايين النجوم في السماء بالقوة المركزية بقيت في أماكنها أو أتمت دورتها، كما أن قوة الجاذبية في العالم حفظت توازنها، ومنعت تصادمها، ثم استطاعوا أن يزنوا الشمس والنجوم ويبينوا حجمها وسرعتها وبعدها عن الأرض، فزادونا عجبًا، ولكن ما الجاذبية؟ وكيف وجدت؟ وما القوة المركزية وكيف نشأت؟ وهذا النظام الدقيق العجيب كيف وجد؟ أسئلة تخلى عنها الفلكي لما عجز عن حلها. وأبان الجيولوجي لنا من قراءة الصخور، كم من ملايين السنين قضتها الأرض حتى بردت؟ وكم آلاف من السنين مرت عليها في عصرها الجليدي، وكيف غمرت بالماء؟ وكيف ظهر السطح؟ وأسباب البراكين والزلازل. وكذلك فعل علماء الحياة في حياة الحيوان، وعلماء النفس في نفس الإنسان، ولكن هل شرحوا إلا الظاهر، وهل زادونا إلا عجبًا؟ سلهم كلهم بعد السؤال العميق الذي يتطلبه العقل دائمًا وهو: من مؤلف هذا الكتاب المملوء بالعجائب التي شرحتم بعضها وعجزتم عن أكثرها؟ أتأليف ولا مؤلف، ونظام ولا منظم، وإبداع ولا مبدع؟ من أنشأ في هذا العالم الحياة وجعلها تدب فيه؟ من أوجد عقله الذي يدبره؟"
"إن النشوء والارتقاء لا يصلح تفسيرًا للمبدع، وإنما يصلح تفسيرًا لوحدة العالم ووحدة المصدر، وكلما تكشفت أسرار العالم، وتكشفت وحدته ووحدة تدرجه ووحدة نظامه وتدبيره، كان الإنسان أشد عجبًا وأشد إمعانًا في السؤال وليس يقنعه بعد كشف العلم عن أسرار العالم وعجزه عن شرحها وتعليلها إلا أن يهتف من أعماق نفسه"إنه الله رب العالمين" (فيض الخاطر ج 4 ص 160، 161) ."