وهذا هو شعور المؤمن في كل عمل من الأعمال -لا في العبادة وحدها- أن يؤدي العمل كأنه يرى الله، فإن لم يبلغ هذه المرتبة فأقل ما عليه أن يشعر أن الله يراه، وشعار المؤمن دائمًا في أدائه لعمله: إني أرضي ربي.
وربه لا يرضيه منه إلا أن يقوم بعمله في صورة كاملة متقنة، وهذا ما علمه نبي الإسلام للمؤمنين"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه" (رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ) عملًا - أي عمل من أعمال الدنيا أو أعمال الآخرة.
وهناك خلقان أصيلان يتوقف عليهما جودة العمل، وحسن الإنتاج، وهما: الأمانة، والإخلاص، وهما في المؤمن على أكمل صورة وأروع مثال. فالصانع المؤمن مثلًا ليس همه مجرد الكسب المادي من صنعته، أو إرضاء صاحب المصنع إن كان يعمل عنده بأجر. ولكنه أمين على صنعته يخلص فيها جهده، ويرقب فيها ربه، ويرعى حق إخوته المؤمنين وهم له أولياء، وعليه رقباء، ومرجو بعد ذلك جزاء الله في الآخرة، (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) (التوبة: 105) .
إننا كثيرا ما نقرأ في الصحف، وما نسمع من الناس، كما نشاهد نحن بأعيننا، ما تعانيه المؤسسات العامة من أجهزة تتوقف -على جدتها- وأدوات تخرب على متانتها، ومصالح تعطل، مع حاجة الجمهور إليها، وأعمال يكفيها يوم تستغرق أيامًا. ونتيجة ذلك أن مشروعات نافعة تفشل، وجهودًا مخلصة تبعثر، وأموالًا طائلة تضيع، وأن الإنتاج العام بعد ذلك كله يتدهور أيما تدهور، وما ذلك إلا لفقدان الأمانة والإخلاص وخراب الضمائر عند أولئك الذين لا يرجون لله وقارًا، ولا يحسبون للآخرة حسابًا.