بل هي رحمة تتجاوز الإنسان الناطق إلى الحيوان الأعجم، فالمؤمن يرحمه ويتقي الله فيه، ويعلم أنه مسئول أمام ربه عن هذه العجماوات. وقد أعلن النبي لأصحابه أن الجنة فتحت أبوابها لبغي سقت كلبًا فغفر الله لها، وأن النار فتحت أبوابها لامرأة حبست هرة حتى ماتت، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. فإذا كان هذا عقاب من حبس هرة بغير ذنب، فماذا يكون عقاب الذين يحبسون عشرات الألوف من بنى الإنسان بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله؟!
وقال رجل: يا رسول الله، إني لأرحم الشاة أن أذبحها. فقال:"إن رحمتها رحمك الله" (رواه الحاكم) ورأى عمر رجلًا يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له:"ويلك .. قدها إلى الموت قودًا جميلًا".
ويروي المؤرخون أن عمرو بن العاص في فتح مصر نزلت حمامة بفسطاطه -خيمته- فاتخذت من أعلاه عُشًّا، وحين أراد عمرو الرحيل رآها، فلم يشأ أن يهيجها بتقويضه، فتركه وتكاثر العمران من حوله، فكانت مدينة"الفسطاط".
ويروي ابن الحكم في سيرة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أنه نهى عن ركض الفرس إلا لحاجة. وأنه كتب إلى صاحب السكك: أن لا يحملوا أحدًا بلجام ثقيل، ولا ينخس بمقرعة في أسفلها حديدة. وكتب إلى واليه بمصر: أنه بلغني أن بمصر إبلا نقالات يحمل على البعير منها ألف رطل، فإذا أتاك كتابي هذا، فلا أعرفن أنه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل.
هذه الرحمة الدافقة الشاملة أثر من آثار الإيمان بالله والآخرة، ذلك الإيمان الذي يرقق بنفحاته القلوب الغليظة، ويلين الأفئدة القاسية.
أرأيت إلى عمر -وقد كان معروفًا بالشدة والقسوة في جاهليته- كيف صنع الإيمان به، ففجَّر ينابيع الرحمة والرقة في قلبه. لقد قالوا: إنه وأد بنتًا له في الجاهلية، فلما ولي إمارة المؤمنين كان يرى نفسه مسئولًا أمام الله عن بغلة تعثر بأقصى البلدان.