فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيرًا.
هذه قصة شاب عمر الإيمان قلبه، فلم يجعل همه ما يشغل كثيرًا من الناس من زهرة الحياة الدنيا، بل تعلقت همته بما عند الله، مما هو خير وأبقى.
حين طلب حاجته من رسول الله كانت حاجته غير حوائج رفاقه -بل غير حوائج أكثر الناس ... كانت حاجة دينه قبل دنياه، حاجة روحه قبل جسده، حاجة معنى الإنسان، لا صورة الإنسان فيه.
حاجته من الرسول: أن يسأل الله له المغفرة والرحمة وأن يجعل غناه في قلبه!
حاجة -ولا ريب- قرت بها عين رسول الله. وقد ودعه وعاد إلى أهله ووطنه، ولكن الرسول الخبير بنفوس الرجال، لم ينس هذا الشاب، على بعد المكان، ومرور الزمان.
وفي موسم الحج سأل عنه قومه سؤال المربي العارف عن التلميذ النجيب، وأجابوه بما سر قلبه وحمد الله عليه، وقال فيه كلمته الناصعة الفريدة"إني لأرجو أن يموت جميعًا".
والناس يموتون على ما عاشوا عليه -فمن عاش جميعًا مات جميعًا، ومن عاش أوزاعًا شتى وأجزاء متناثرة مات كما عاش.
وقليل من الناس، بل أقل من القليل؛ ذلك الذي يعيش لغاية واحدة، ويجمع همومه في هم واحد. يحيا له، ويموت عليه، ذلك هو المؤمن البصير الذي جعل غايته القرار إلى الله، وسبيله اتباع ما رسم الله، وكل شيء فيه لله، وبالله، ونشيده: (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين * قل أغير الله أبغي ربًا وهو رب كل شيء؟) (الأنعام: 162، 163) هذا -ولا نجد غيره- هو الذي يعيش جميعًا ويموت جميعًا! .