بينهم، إنه عزيز حكيم) (الأنفال: 63) .
قال عبد الرحمن بن عوف المهاجري القرشي: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله بيني وبين سعد بن الربيع -الأنصاري الخزرجي- فقال سعد لي:"إني من أكثر الأنصار مالًا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها"، وقابل عبد الرحمن هذا الإيثار الكريم من سعد بعفاف كريم منه فقال:"بارك الله لك في أهلك ومالك ... دلوني على السوق".
وقد سجل الله في كتابه الثناء الخالد لموقف الأنصار فقال: (والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) (الحشر: 9) .
يقول أستاذنا المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه"الدين":"إن الخدمة الجليلة التي تؤديها الأديان للجماعة لا تقف عند تهذيب السلوك، وتصحيح المعاملة وتطبيق قواعد العدل، ومقاومة الفوضى والفساد فحسب، بل إن لها وظيفة إيجابية أعمق أثرًا في كيان الجماعة. ذلك أنها تربط بين قلوب معتنقيها برباط من المحبة والتراحم، لا يعدله رباط آخر من الجنس أو اللغة أو الجوار أو المصالح المشتركة. بل إن هذه العلائق مجتمعة مهما يكن أثرها الظاهري من كف الأذى، وبذل المعروف المتبادل، تظل روابط سطحية تضم الأفراد، كما تضم الأعواد في ضغث، ولا تزال تتخللها الفجوات والثغرات والحواجز النفسية، حتى تشدها رابطة الأخوة في العقيدة والمشاركة في المثل العليا، فهناك تعود الكثرة وحدة، وتصبح النفوس كالمرايا المتقابلة، تنعكس صور بعضها في بعض، بل كثيرًا ما تستغني هذه الوحدة الروحية عن سائر الوحدات الأخرى، فتنعقد بها أقوى الوشائج وأدومها، بين أفراد اختلفت أجناسهم، وتباينت لهجاتهم، وتباعدت ديارهم،"