فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 349

ذو الرأي فيلسوف، يقول:"إني أري صوابًا ما قد يكون في الواقع باطلًا، وهذا ما قامت الأدلة عليه اليوم، وقد تقوم الأدلة على عكسه غدًا، وقد أكون مخطئًا فيه وقد أكون مصيبًا".

أما ذو العقيدة فجازم بات، لا شك عنده ولا ظن، عقيدته هي الحق، لا محالة، هي الحق اليوم، وهي الحق غدًا، خرجت عن أن تكون مجالًا للدليل (هذا بعد الاقتناع والتصديق. أما قبل ذلك فالإسلام لا يرضى من المسلم إلا أن يكون اعتقاده قائمًا على أساس الدليل والبرهان، ولا يعبأ بإيمان المقلد، وسنبين بعد في مزايا العقيدة الإسلامية أنها"عقيدة مبرهنة") وسمت عن معترك الشكوك والظنون.

ذو الرأي فاتر أو بارد، إن تحقق ما رأى ابتسم ابتسامة هادئة رزينة، وإن لم يتحقق ما رأى فلا بأس، فقد احترز من قبل بأن رأيه صواب يحتمل الخطأ ورأى غيره خطأ يحتمل الصواب، وذو العقيدة حار متحمس، لا يهدأ إلا إذا حقق عقيدته.

ذو الرأي سهل أن يتحول ويتحرر، هو عند الدليل، أو عند المصلحة تظهر في شكل دليل، أما ذو العقيدة فخير مظهر له ما قاله رسول الله:"لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أدع هذا الذي جئت به ما تركته".

الرأي جثة هامدة، لا حياة لها ما لم تنفخ فيها العقيدة من روحها، والرأي كهف مظلم لا ينير حتى تلقي عليه العقيدة من أشعتها، والرأي مستنقع راكد يبيض فوقه البعوض، والعقيدة بحر زاخر لا يسمح للهوام الوضيعة أن تتوالد على سطحه. والرأي سديم يتكون، والعقيدة نجم يتألق.

الرأي يخلق المصاعب، ويضع العقبات، ويصغي لأماني الجسد، ويثير الشبهات، ويبعث على التردد. والعقيدة تقتحم الأخطار، وتزلزل الجبال،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت