وذلك هو دور الإيمان الذي يغمر قلب صاحبه يقينا بالآخرة ورجاء فيما عند الله. ومن هنا تكرر وصف المحسنين والمتقين في القرآن بقوله: (وهم بالآخرة هم يوقنون) (البقرة: 4 بلفظ(وبالآخرة هم يوقنون) والنمل: 3، ولقمان: 4) وفي مقابل ذلك قال في شأن الطغاة والمجرمين: (إنهم كانوا لا يرجون حسابًا * وكذبوا بآياتنا كذابًا) (النبأ: 27، 28) ، وفي مشهد من مشاهد الآخرة يقص علينا القرآن تساؤل المؤمنين في الجنة عن الجرمين في النار: (ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين) (المدثر: 42 - 46) وقال في شأن فرعون وملئه: (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) (القصص: 39) . ولو ظنوا أنهم إلى ربهم راجعون، وعليه معروضون ما أقدموا على ما فعلوا، من الجرائم البشعة، والمذابح الرهيبة، والمظالم القاسية.
إن المؤمن بالله والآخرة هو الذي يستطيع أن يعلو على شهوات الدنيا، وأن يطرح مغرياتها وراء ظهره، وأن يركل متاعها بقدمه ويقول لها ما قال على بن أبي طالب، رضي الله عنه:"إليك عني. يا صفراء يا بيضاء، غري غيري .. إلي تعرضت أم إلي تشوقت؟ قد طلقتك ثلاثًا لا رجعة فيها"! بل يقول ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام حين دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال له: يا رسول الله: لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال:"مالي وللدنيا؟ ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف؟ فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها" (رواه أحمد وابن حبان في صحيحة والبيهقي) .
الإيمان وحده هو الذي يعطي المؤمن هدفًا أكبر من الدنيا، ويشده إلى قيم أرفع وأبقى من شهواتها.