وتنجذب به إلى الخير كأنها الإبرة الممغنطة تجذب دائمًا نحو الشمال، وتدفعه عن الشر كأنها صوت الأب يحذر ولده، أو الأستاذ ينصح تلميذه، فإذا خالف ما تأمر به أو اقترف ما تحذر كانت هذه القوة محكمة تقضي له أو عليه. تقضي له بالراحة والسرور والطمأنينة، أو تحكم عليه بالألم والقلق والعذاب.
هذه القوة الكاشفة الهادية، الآمرة الناهية، المحذرة المحرضة، الحاكمة المنفذة. هي التي سماها علماء الأخلاق"الضمير"وسماها بعضهم"الوجدان"وسماها الإسلام"القلب"وقال الرسول لمن جاء يسأله عن البر والإثم:"البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب. والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون"وفي حديث آخر:"استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك وأفتوك".
إنها قوة تسبق العمل وتقارنه وتلحقه، فتسبقه بالإرشاد إلى عمل الواجب والتحذير من المعصية، وتقارنه بالتشجيع على إتمام العمل الصالح، والكف عن العمل السيء وتلحقه بالارتياح والسرور عند الطاعة والإحساس بالألم والوخز عند العصيان.
هذا الضمير أو"الوجدان"أو"القلب"هو عماد الأخلاق، وركيزتها الأولى، فهو -كما رأينا- يهدي إلى ما تشابه منها، ويرغب في خيرها، ويزع عن شرها - ويقف ديدبانا يقظًا على حراستها.
والمجتمع -أي مجتمع- لا يرقى وينتظم ويسعد بسن القوانين، وإصدار القرارات وتنظيم اللوائح، ويقظة رجال السلطة. وإن كان لا يستغني عن ذلك كله - وإنما يرقى وينتظم ويسعد، بوجود القلوب الحية، وتوافر الضمائر اليقظة بين أبنائه. ومن الحكم المشهورة:"العدل ليس في نص القانون، وإنما هو في ضمير القاضي".
هذه أهمية الضمير بالنسبة لمن يقضي ويحكم، أما المحكومون بالقانون فقد قال قائلهم: