صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني هؤلاء يمنعونني أن أجاهد معك، ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة!! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد. وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه، لعل الله عز وجل يرزقه الشهادة. فخرج مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقتل يوم أحد شهيدًا - وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: إن منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبره، منهم عمرو بن الجموح!
وهذا نموذج آخر من نماذج التضحية: نموذج التضحية بالراحة والثروة، والاستمتاع بالحياة الرضية الناعمة، وارتضاء الحرمان والمشقة والبلاء والأذى في سبيل الله.
فتى كمصعب بن عمير، نشا في الحلية، وربي في الرفاهية والنعمة، بين أبوين يحبانه أشد الحب، ويحنوان عليه أعظم الحنو، يغذوانه بأطيب الطعام، ويكسوانه بأحسن اللباس، وينشران عليه أجنحة العطف والإيثار والرعاية والتدليل، فتى منعم مدلل كهذا، ما الذي يجعله يدع هذه الحياة اللذيذة الهادئة الهانئة، إلى حياة خشونة وبأساء، وزلزلة وجهاد، وغربة وهجرة؟. ما الذي جعله يرضى بمفارقة الأهل والوطن، ويرغب عن الثروة والجاه ويفر بدينه مهاجرًا إلى الحبشة ثم إلى المدينة، حتى يموت في دار الهجرة شهيدًا في غزوة أحد، فلا يجد المسلمون له ثوبًا يكفي لغطاء جسده، كل الذي وجدوه ثوب قصير، إذا غطى به رأسه بانت رجلاه، وإذا غطيت به رجلاه، بانت رأسه؟؟ لا شيء إلا الإيمان.
يروي «ابن سعد» عن محمد بن شرحبيل العبدري، أحد أقرباء مصعب هذه الكلمات في وصفه. يقول: كان مصعب بن عمير فتى مكة شبابًا وجمالًا وسبيبًا، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه مليئة كثيرة المال، تكسوه احسن ما يكون من الثياب وأرقه، وكان أعطر أهل مكة يلبس الحضرمي من النعال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام في